- الرسالة العرشية
- المؤلف ابن تيمية
ويكي بيانات. - تنزيل بصيغة

- ملاحظات: القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية، الصفحات ٢–٣٣
- بسم الله الرحمن الرحيم
- سئل شيخنا الامام العلامة شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الرباني والعابد النوراني ابن تيمية الحراني أيده الله تعالى ما يقول في العرش هل هو كرى أم لا ؟ واذا كان كرياً والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه الى الله تعالى حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون غيره ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط بالداعي ، ومع هذا نجد في قلوبنا قصداً يطلب العلو فلا يلتفت يمنــــة ولا بسرة . فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ؛ وقد فطرنا عليها ، وابسط لنا الجواب في ذلك بسطاً شافيا يزيل الشبهة ويحقق الحق ان شاء الله ، أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين *
- فأجاب رحمه الله تعالى بما نصه : الحمد لله رب العالمين. الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقالات احداها : أن لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الافلاك المستديرة الكرية الشكل ، لا بدليل شرعي ، ولا بدليل عقلى . وانما ذكر هذا طائفة من المتأخرين الذين نظروا في علم الهيئة وغيرها من الفلسفة فرأوا أن الافلاك تسعة وأن التاسع وهو الاطلس محيط بها مستدير كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة الشوقية وان كان لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة ثم سمعوا في أخبار الانبياء صلوات الله وسلامه ذکر عرش الله، وذكر كرسيه، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن أن العرش هو الفلك التاسع لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شيء اما مطلقاً واما أنه ليس وراءه مخلوق. ثم أن منهم من رأى أن التاسع هو الذى يحرك الافلاك كلها فجعلوه مبدأ الحوادث. وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره في الارض أو يحدثه في النفس التي زعموا أنها متعلقة به أو في العقل الذي زعموا أنه الذي صدر عنه هذا الفلك وربما سماه بعضهم الروح ، وربما جعل بعضهم النفس هي الروح ، وربما جعل بعضهم النفس هي اللوح المحفوظ كما جعل العقل هو القلم . وتارة يجعلون اللوح هو العقل الفعال العاشر الذى لفلك القمر أو النفس المتعلقة به ؛ وربما جعلوا ذلك بالنسبة الى الحق سبحانه كالدماغ بالنسبة الى الانسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون الى غير ذلك من المقالات التى قد شرحناها وبينا فسادها في غير هذا الموضع . ومنهم من يدعى أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذباً فيما يدعيه وأنــا أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليداً لهم أو موافقة لهم على طريقتهم الفاسدة كما فعل أصحاب رسائل اخوان الصفا وأمثالهم . وقد يتمثل في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفاً كما يتخيل النصراني التثليث الذي يعتقده وقد يرى ذلك في منامه فيظنه كشفاً ، وأنما هو تخييل لما اعتقده. وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة اذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم فيتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها كشفاً . وقد بسطنا البكلام على هذا في غير هذا الموضع *
- والمقصود هنا أن ما ذكروه من أن العرش هو الفلك التاسع قد يقال انه ليس لهم عليه دليل لا عقلى ولا شرعى . أما العقلى فان أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الافلاك هي تسعة فقط بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، وما لم يكن لهم دليل على تيوته فهم لا يعلمون ثبوته ولا انتفاءه . مثال ذلك أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلى يكشف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة؛ عنى أن الافلاك مختلفة، حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك كفلك التدوير وغيره. فأما ما كان موجوداً فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته فهم لا يعلمون نفيه ولا اثباته بطريقهم . وكذلك قول القاتل ان حركة التاسع مبدأ الحوادث خطأ وضلال على أصولهم ، فانهم بعواون ان الثامن له حركة تخصه بما فيه من الثوابت ولتلك الحركة قطبان غير . قطبي التاسع، وكذلك السابع والسادس ، واذا كان لكل فلك، -رية تخصه ، والحركات المختلفة هي سبب الاشكال الحادثة المختلفة الفلكية ، فتلك الاشكال سبب الحوادث السفلية كانت حركة التاسع جزء " - بب كمحركة غيره والاشكال الحادثة في الفلك كمقارنة الكوكب لكون ، في درجة واحد : ومقابلته له ادا كان بينهما نصف الفلك وهو ماته .. نون درجة، وتثليثه له اذا كان بينهما ثلث الفلك وهو مائة وعشرون - حن و تربيعه لله اذا كان بينهما ربعه تسعون درجة؛ وتسديسه له اذا کار همه سدس الفلك ستون درجة . وأمثال ذلك من الاشكال انما حددت كات مختلفة وكل حركة ليست عن الاخري؛ اذ حركة ال من التي تح ت عن حركة التاسع وان كان تابعاً له في الحركة الكلية كالانسان المتحرك في السفينة الى خلاف حركتها ، وكذلك حركة السابع التي تخصه ليست عن التاسع ولا عن الثامن، وكذلك سائر الافلاك . فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع كما زعمه من ظن أن العرش كثيف، والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الاجزاء لا اختلاف فيـــه أصلا، فكيف يكون سبباً لأمور مختلفة لا باعتبار القوابل وأسباب أخر ؟ ولكن هم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة؛ ويجعلون لكل درجة من الامر ما يخالف الاخرى؛ لا باختلاف القوابل كمن يجىء الى ماء واحد فيجعل لبعض أجزائه من الأثر ما يخالف الآخر لا بحسب القوابل بل يجعل أحد أجزائه مسخناً والآخر مبرداً، والآخر مسعداً والآخر مشقياً، وهذا مما يعلمونهم وكل عاقل أنه باطل وضلال. واذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق الافلاك التسعة ، كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل من أن العرش هو الفلك التاسع وجماً بالغيب وقولا بلا علم . هذا كله بتقدير ثبوت الافلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة، اذ في ذلك من النزاع والاضطراب وفي أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه وانما نتكلم١ فالافلاك في أشكالها واحاطة بعضها ببعض من جنس واحد . فنسبة السابع الى السادس كنسبة السادس الى الخامس ؛ واذا كان هناك فلك تاسع فنسبته الى الثامن كنسبة الثامن الى السابع * وأما العرش فالاخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات، وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها الى بعض . قال الله تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) الآية . وقال سبحانه ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) . فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة، وان حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين ومعلوم أن قيام فلك من الافلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الافلاك لا فرق في ذلك بين كرة وكرة ، وان قدر أن لبعضها ملائكة في نفس الامر تحملها فحكمه حكم نظيره . قال تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ( الآية . فذكر هناك أن الملائكة تحف من حول العرش ، وذكر في موضع آخر أن له حملة ، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) وأيضاً فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والارض كما قال تعالى ( وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ) وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والارض » وفي رواية له كان الله ولم يكن شيء قبله ، وكان عرشه على الماء . ثم خلق السموات والارض، وكتب في الذكر كل شيء » وفي رواية لغيره صحيحة «كان الله ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء، تم في الذكر كل شيء » وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ان الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والارض بخمسين ألف سنة٢ وكان عرشه على الماء » وهذا التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السموات والارض بخمسين ألف سنة وهو سبحانه وتعالى يتمدح بأنه ذو العرش . كقوله سبحانه ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون اذاً لابتغوا الى ذي العرش سبيلا ) وقوله تعالى ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شيء لمن الملك اليوم الله الواحد القهار ) وقال تعالى ( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد ) وقد قريء المجيد بالرفع صفة الله ؛ وقرىء بالخفض صفة للعرش . وقال تعالى ( قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله قل أفلا تتقون ) فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم وقال تعالى ( فتعالى الله الملك الحق لا اله الاهو رب العرش الكريم) فوصفه بأنه كريم أيضاً . وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا اله الا الله العظيم الحليم، لا اله الا الله رب العرش العظيم، لا اله الا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ، فوصفه في الحديث بأنه عظيم وكريم أيضاً . فقول القائل المنازع أن نسبة الفلك الأعلى الى مادونه كنسبة الآخر إلى مادونه . فلو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت هده _ ^_ نسبته إلى مادونه كنسبة الآخر إلى مادونه وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء وان كانت العليا بالنسبة الى السفلى كالفلك على قول هؤلاء : وكأنما امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا ؛ عن الدنيا بل نسبة السماء إلى الهواء ؛ ونسبة الهواء الى الماء والأرض كنسبة تلك الى تلك. ومع هذا فلم يخص واحداً من هذه الأجناس عما يليه بالذكر؛ ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة وقد علم أنه ليس سببا لذاتها ولا لحركاتها ، بل لها حركات تخصها فلا يجوز أن يقال حركته هي سبب للحوادث : فحركات غيره التى تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطا بها أن يكون أعظم من مجموعها الا اذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك ؛ والا فمن المعلوم أن الغليظ اذ كان متقاربا فمجموع الداخل أعظم من المحيط؛ بل قديكون بقدره أضعافا، بل الحركات المختلفة التي ليست عن حركته أكثر لكن حركته تشملها كلها. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحرث «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح الى وقت الضحى فقال لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته لوزنتهن : سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه ؛ سبحان رضاء نفسه، سبحان الله مداد كلماته فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الله الأوزان. وهم يقولون ان الفلك التاسع لاخفيف ولا ثقيل بل يدل على أنه وحده أنقل ما يمثل به كما أن عدد المخلوقات اكثر ما يمثل به .وفي . الصحيحين عن أبي سعيد قال جاء رجل من اليهود الى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه فقال رجل من اصحابك لطم وجهى فقال له . النبي صلى الله عليه وسلم أدعه فقال لم لطمت وجهه فقال يارسول الله انى مررت بالسوق وهو يقول والذي اصطفى موسى على البشر فقلت يا خبيث وعلى محمد فأخذتى غضبة فلطمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فاذا أنا بموسى آخذاً بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزى بصعقته، فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم . وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق . والأفلاك متشابهة في هذا الباب وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ قال فقال رجل لجار ان البراء يقول اهتز السرير قال انه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول اهتز عرش الرحمن لموت سعد ابن معاذ ورواه مسلم في صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وجنازة سعد موضوعة اهتز لها عرش الرحمن وعندهم حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة المرش وفرحهم فلا بد له من دليل على ما قال كما ذكر أبو الحسن الطبري وغيره أن سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها قالوا يارسول الله أفلا نبشر الناس بذلك قال ان الجنة مائة درجة أعدها الله للمهاجرين في سبيله كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض أن فاذا سألتم الله فسلوه الفردوس فانه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه. عرش الرحمن ومنه يفجر أنهار الجنة ، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا سعيد من رضى بالله رباً و بالاسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال اعدها على يارسول الله ففعل قال وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض قال وما هي يا رسول الله قال الجهاد في سبيل الله، وفي صحيح البخارى أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أنت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يانبي الله ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب " فان كان في الجنة صبرت وان كان غير ذلك اجتهدت في البكاء قال يا أم حارثة أنها خبات في الجنة وأن ابنك أصاب الفردوس الأعلى، فهذا قد بين في الحديث الأول أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها وأن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض والفردوس أعلاها. والحديث الثاني يوافقه في وصف الدرج المائة . والحديث الثالث يوافقه في أن الفردوس أعلاها . واذا كان العرش فوق الفردوس فالقائل أن يقول اذا كان كذلك كان في هذا من العلو والارتفاع مالا يعلم بالهيئة اذ لا يعلم بالحساب أن بين الثامن والاول كما بين السماء والأرض مائة مرة بل عندهم أن التاسع ملاصق للثامن فهذا قد بين (1) السهم الغرب هو الذي لا يعرف راميه ؛ يقال سهم غرب بفتح الراء وسكون وبالأضافة وبغيرها . وقيل هو بالسكون اذا أتاه من حيث لا يدرى . وبالفتح اذا رماه وأصاب غيره اهنهاية . أن العرش فوق الفردوس الذى هو أوسط الجنة وأعلاها. وفي حديث أبي ذر المشهور قال قلت يا رسول الله أى ما أنزل٣ عليك أعظم قال آية الكرسى ثم قال يا أباذر ما السموات السبع مع الكرسي الا حلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة» والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه واحمد في المسند وغيرها . وقد استدل من استدل على أن العرش مقبب بالحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن جبير بن مطعم قال «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابی فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال قادع الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسيح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف في وجهه وقال ويحك أندرى ما تقول ان الله لا يستشفع به على أحد من شأن الله أعظم من ذلك ان الله على عرشه وان عرشه على سمواته وأرضه هكذا بأصابعه مثل القبة وفي لفظ وأن عرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة ، وهذا الحديث وان دل على التقييب وكذلك قوله عن الفردوس أنها أوسط الجنة وأعلاها مع قوله وأن سقفها عرش الرحمن أو أن فوقها عرش الرحمن والأوسط لا يكون الأعلى الا في المستدير فهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك بل اذا قدر أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا منه سواء قال القائل انه محيط بالأفلاك أو قال أنه فوقها وليس محيطاً بها كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض وان لم يكن محيطا بذلك وقد قال أياس بن معاوية السماء على الأرض مثل القبة ومعلوم. أن الفلك مستدير مثل ذلك لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو ولا يستلزم استدارة من جميع الجوانب الا بدليل منفصل . ولفظ الفلك يدل على الاستدارة مطلقا لقوله تعالى ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) يقتضى أنها في فلك مستديرة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما في فلكة مثل فلكة المغزل وأما لفظ القبة فانه لا يتعرض لهذا المعني لا بنني ولا اثبات؛ لكن يدل على الاستدارة من العلو كالقبة الموضوعة على الأرض. وقد قال بعضهم أن الأفلاك غير السموات ، لكن رد عليهم غيره هذا القول بأن الله تعالى قال (ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) فأخبر أنه جعل القمر فيهن وقد أخبر أنه في الفلك وليس هذا موضع بسط للكلام في هذا. و تحقيق الا مرفيه وبيان أن ما علم بالحساب علما صحيحاً لا ينافي ما جاء به السمع وأن العلوم الصحيحة لاتنا في معقولا صحيحاً؛ إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع ، فان ذلك يحتاج اليه في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس حيث يرون ما يقال أنه معلوم بالعقل مخالفا لما يقول أنه معلوم بالسمع ، فأوجب ذلك أن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعامه حتى آل الأمر يقوم من أهال الكلام فتكلموا في معارضة الفلاسفة في الأفلاك بكلام ليس معهم به حجة لامن شرع ولا من عقل وظنوا أن ذلك الكلام من نصر لشريعة وكان ما جحدوه معلوما بالأدلة الشرعية أيضاً. وأما المتفلسفة وأتباعهم فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات ولا يعلمون ما وراء ذلك مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابا وأن السحاب اذا اصطك حدث عنه صوت ونحو ذلك لكن علمهم بهذا كملمهم أن المنى يصير في الرحم ، لكن ما الموجب لأن يكون المنى المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه الأعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب. وكذلك ما الموجب لأن يكون الهواء أو البخار منعقدا سحابا مقدراً بقدر مخصوص على مكان مختص به وينزل على قوم عند حاجتهم اليه يسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا. وما الموجب لأن ساقه الى الارض الجرز التي لا تمطر أو تمطر مطراً لا يغنيها كأرض مصر اذ كان المطر القليل لا يكفيها والكثير يهدم أبنيتها قال تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فلما أن تكون قسرية وهي تابعة للقاسر أو طبيعية وانما تكون أذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب عوده اليه. أو ارادية وهي الاصل . فجميع الحركات تابعة للحركة الارادية التي تصدر عن ملائكة الله تعالى التي هي المدرات أمراً. والمقسمات أمراً؛ وغ - ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة، وفي المعقول ما يصدق ذلك . ذا كلام في هذا وأمثاله له موضع غير هذا . والمقصود هنا أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائد على كل تقدير فيكون الكلام في الحبوا - مبنيا على حجج - علمية لا تقليدية ولا مسلمة واذا بينا حصول الجواب على كل تقدير " كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو الواقع وان كنا نعلم ذلك لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير واثبات ذلك فيه طول لا يحتاج اليه هنا فان الجواب اذا كان حاصلا على كل تقدير كان أحسن وأوجز
- ( المقام الثانى ) أن يقال العرش سواء كان هذا الفلك التاسع أو جسما محيطاً بالفلك التاسع أو كان فوقه من جهة وجه الارض محيطاً به أو قيل فيه غير ذلك يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلى بالنسبة الى الخالق تعالى في غاية الصغر كما قال تعالى( وما قدروا الله حق قدره والارض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) سبحانه وتعالى عما يشركون . وفي الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « يقبض الله تبارك وتعالى الارض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الارض ؟ » وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمني ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون : أين المتكبرون ؛ ثم يطوي الارض بشماله ثم يقول: أنا الملك: أين الجبارون أين المتكبرون ؟ » وفي لفظ في الصحيح عن عبيد الله بن مقسم أنه قال نظر الى عبد الله بن عمر يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يأخذ الله سمواته وأرضه بيده ويقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك ، حتى نظرت الى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أتى أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم » وفي لفظ قال « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول يأخذ الجبار سمواته وأرضه وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول : أنا الرحمن ؛ أنا الملك : أنا السلام ، أنا المؤمن ، أنا المهيمن ، أنا العزيز ، أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئاً ؛ أنا الذي أعدتها ، أين المتكبرون ؟ أين الجبارون ؟ » وفي لفظ « أين الجبارون أين المتكبرون ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يمينه وعلى شماله حتى نظرت الى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتي انى لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم » والحديث مروى في الصحيح والمسانيد وغيرهما بألفاظ يصدق بعضها بعضاً . وفي بعض ألفاظه قال قرأ على المنبر ( والارض جميعاً قبضته القيامة) الآية . قال مطوية في كفه يرمى بها كما يرمي الغلام بالكرة وفي لفظ « يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده فيجعلهما في كفه ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان بالكرة أنا الله الواحد » وقال ابن عباس يقبض عليهما فما ترى طرفاها بيده » وفي لفظ عنه « ما السموات السبع والارضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن الاكمر دلة في يد أحدكم» وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال يا محمد ان الله يجعل السموات على أصبح والارضين على أصبح والجبال على أصبح والماء والترى على أصبح، وسائر الخلق على أصبح فيهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبرثم قال وما قدروا الله حق قدره يوم والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه الآية فني . هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التى اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ما يبين أن السموات والارض وما بينها بالنسبة الى عظمة الله تعالى أصغر من أن تكون مع قبضه لها الا كالشيء الصغير في يد أحدنا حتي يدحوها كما تدحى الكرة قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون الامام نظير مالك في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن أول كلامه إلى أن قال فاما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفا قد استهوته الشياطين في الارض حيران فصار يستدل زعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لابد ان كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن التبين بالخفي فجحد ماسمى الرب من نفسه فصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملى له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة ناظرة) فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر الى وجهه ونضرته اياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر وقد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر اليه ينظرون إلى أن قال وانما جحدوا رؤية الله يوم القيامة اقامة للحجة الضالة المضلة لانه فد عرف اذ تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحداً وقال المسلمون يارسول الله هل ترى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس نيس دونها سحاب قالوا لا فقال هل تضار ون فيدريه تحمر يده ليستر نیس دونه سحاب قانوا لا قال فانكم ترون الى ربكم كذلك » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها الى بعض وقال لثابت بن قيس قد ضحك الله مما فعلت يضيفك البارحة . وقال فيما بلغنا عنه أن الله يضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة اجابتكم. وقال له رجل من العرب أن ربنا يضحك ، قال نعم قال لن تعدم من رب يضحك خيرا، وفي أشباه ذلك مما لم تحصه . وقال تعالى وهو السميع البصير ( واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا ) وقال ( ولتصنع على عينى ) وقال ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ) وقال ( والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) فوالله ما دلهم على عظم ووصف به نفسه وما تحيط به قبضته الاصغر نظيرها منهم عندهم أن ذلك الذي ألقي في روعهم ؛ وحلق على معرفة قلوبهم ، مما وصف الله من نفسه وسماه على رسوله سميناه كما سماه ولم تتكلف منه علم ماسواه لا هذا ولا هذا لا مجحد ما وصف ، ولا تتكلف معرفة مالم يصف المخلوقات كالكرة وهذا قبضه لها ورميه بها . وأنما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة اليه ما يعقل نظيره منا . ثم الذي في القرآن والحديث يبين انه ان شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك يوم القيامة وان شاء لم يفعل ذلك فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة وفي ذلك من الاحاطة بها ما لا يحصى وان شاء لم يفعل ذلك وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها ومن المعلوم أن الواحد منا ولله المثل الأعلى اذا كان عنده خردلة ان شاء قبضها فأحاطت يها قبضته وان شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو في الحالتين مباين لها . وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كل حاطة الكرة بما فيها أو قيل انه فوقها وليس محيطاً بها كوجه الارض الذي نحن عليه بالنسبة الى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك. فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه وتعالى فوقه٤ والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت وتمام هذا ببيان *
- (المقام الثالث) وهو أن نقول لا يخلو اما أن يكون العرش كريا كالافلاك ويكون محيطلبها واما أن يكون فوقها وليس هو كريا وان كان. الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الافلاك مستديرة كرية الشكل أن الجهة العليا هي جهة المحيط وهي المحدود وأن الجهة السفلى هو المركز وليس للافلاك الا جهات العلو والسفل فقط وأما الست فهى للحيوان فان. له ست جوانب يوم جهته فتكون أمامه ويخلف أخري فتكون خلفه وجهة تحاذى يمينه وجهة تحاذى شماله وجهة تحاذي رأسه وجهة تحاذى وجليه وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لازمة بل هي بحسب. النسبة والاضافة فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا ويكون أمام. هذا ما يكون خلف هذا ويكون فوق هذا ما تحت هذا لكن جهة العلو والسفل للافلاك لا تتغير فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل مع أن. وجه الأرض التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس والبهائم والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية فأما الناحية تحت الأخري من الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم ولو قدر أن هناك أحداً لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ولا من في هذه تحت من في هذه كما أن الافلاك تحيط بالمركز وليس احد جاني الفلك تحت الآخر ولا القطب الشمالي تحت الجنوبى ولا بالعكس وان كان الشمالى هو الظاهر لنا فوق الارض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمي عرض البلد فكما أن جوانب الارض المحيطة بها وجوانب الفلك المستدر ليس بعضها فوق بعض ولا تحته فكذلك من يكون على الارض من الحيوان والنبات والانقال فلا يقال انه تحت أولئك وأنما هذا خيال يتخيله الانسان وهو اضافي كما لو كانت نملة تمشى تحت سقف فالسقف فوقها وان رجليها تحاذيه ولذلك من علق منكوسا فانه تحت السماء وان كانت وجلاه تلى السماء وكذلك يتوهم الانسان اذا كان في أحد جانبي الارض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول الافلاك مستديرة واستدارة الافلاك كما أنه قول أهل الهيئة والحساب فهو الذي عليه علماء المسلمين كما ذكره أبو الحسن بن المنادي وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزى وغيرهم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين وقد قال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) قال ابن عباس فلكة مثل فلكة المغزل والفلك في اللغة هو المستدير ومنه قولهم تفلك ندى الجارية اذا استدار وكل من يعلم أن الافلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالى على المركز في كل جانب ومن توهم أن من يكون في الفلك من ناحيته يكون تحته من في الفلك من الناحية الاخري في نفس الامر فهو متوهم عندهم * واذا كان الامر كذلك فاذا قدر أن العرش مستدير يحيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقاً فلا يتوجه اليه والى ما فوقه الانسان الا من العلو لا من جهاته الباقية أصلا ومن توجه الى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الافلاك من غير جهة العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء فكيف بالتوجه الى العرش أو الى ما فوقه وغاية ما يقدر أن يكون كري الشكل والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها احاطة تليق بجلاله . فان السموات السبع والارض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا *
- وأما قول القائل اذا كان كرياً والله من ورائه محيط به بائن عنه فما فائدة العبد يتوجه الى الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون التحت فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعى ومع هذا نجد في قلوبنا قصداً يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فاخبرونا عن هذه الضرورة التي نجدها وقد فطرنا عليها فيقال له هذا السؤال انما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الارض وتحت ما على وجه الارض من الآدميين والبهائم وهذا غلط عظيم . فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الارض مطلقة وهذا قلب الحقائق اذ الفلك هو فوق الأرض مطلقاً وأهل الهيئة يقولون لو أن الأرض مخروقة الى ناحية أرجلنا وألقى في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي الى المركز حتى لو ألقى في تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعاً في المركز ولو قدر أن انسانين التقيا في المركز بدل الحجر لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب فانه لو قدر أن رجلا بالمشرق في السماء أو الارض ورجلا بالمغرب في السماء أو الارض لم يكن أحدهما تحت الآخر وسواء كان رأسه أو رجلاد أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلى السماء أو ممايلى الأرض واذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه الا من جهة العليا لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين. أحدهما أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب اليه من جميع الجهات فلو قدر رجل أو ملك يصعد الى السماء أو الى ما فوق كان صعوده مما يلى رأسه أقرب اذا أمكنه ذلك ولا يقول عاقل أنه يحرق الارض ثم يصعد من تلك الناحية ولا أنه يذهب يميناً أو شمالا أو أماماً أو خلفاً إلى حيث أمكن من الارض ثم يصعد لانه أي مكان ذهب اليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه وكان الفلك فوقه فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلا وتعباً من غير فائدة . ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر فانه لا مخاطبه الا من الجهة العليا مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب فتنحرف عن سمت الرأس فكيف بما هو فوق كل شيء دائماً لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى . وكما أن الحركة كحركة الحجر يطلب مركزها بأقصر طريق وهو الخط المستقيم فالطلب الارادي الذي يقوم بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط المستقيم القريب ويعدل الى طريق منحرف طويل. والله تعالى فطر عباده على الصحة والاستقامة الا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن فطرته التي فطر عليها الوجه الثاني أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده الى المركز وان قصده أمامه أو وراءه أو عينه أو يساره من غير قصد العلوكان منتهى قصده أجزاء الهواء فلا بد له من قصد العلو ضرورة سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها ولو فرض أنه قال أقصده من اليمين مع العلو أو من السفل مع العلو. كان هذا بمنزلة من يقول أريد أحج من المغرب فأذهب الى خراسان ثم أذهب الى مكة بل بمنزلة من يقول أصعد الى الأفلاك فأنزل في الارض م أصعد الى الفلك من الناحية الاخرى فهدا وان كان ممكناً في المقدور لكنه مستحيل من جهة امتناع ارادة القاصد له وهو مخالف للفطرة فان القاصد يطلب مقصوده بأقرب طريق لاسيما اذا كان مقصوده معبوده الذي يعبده ويتوكل عليه واذا توجه اليه على غير الصراط المستقيم كان سيره منكوسا معكوسا . وأيضا فان هذا يجمع في سيره و قصده بين النفي والاثبات من أن يتقرب الى المقصود ويتباعد عنه ويريده وينفر عنه فانه اذا توجه اليه من الوجه الذي هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى كان جامعا بين قصدين متناقضين فلا يكون قصده له تاما اذ القصد التام ينفي نقيضه وضده وهذا معلوم بالفطرة فان الشخص اذا كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة تامة ويقصده أو يحب غيره ممن يحب سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة متى كانت المحبة تامة وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل " اليه بخلاف ما اذا كانت المحبة المترددة مثل أن يحب ما يكره محبته في الدين فتبقي شهوته تدعوه الى قصده وعقله ينهاه عن ذلك فتراه يقصده - . من طريق بعيد كما تقول العامة رجل الى قدام ورجل الى خلف وكذلك اذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد او غير ذلك من القصودات التي تحب في الدين وتكرهها النفس فانه يبقى قاصداً لذلك من طريق بعيد متباطئاً في السير. وهذا كله معلوم بالفطرة وكذلك اذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ونحو ذلك فانه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده اذا كان القصد تاما. ولو كان رجل في مكان عال وآخر يناديه لتوجه اليه وناداه ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنا لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده اسماعه من غير مصلحة راجحة ولا يفعل نحو ذلك الا عند ضعف القصد ونحوه * وحديث الادلاء الذي روى من حديث أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنها قد رواه الترمذى وغيره من حديث الحسن البصرى عن أبي هريرة وهو منقطع فان الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع فان كان ثابتا فمعناه لهبط على الله انما هو تقدير مفروض أى لو وقع الادلاء لوقع عليه لكنه لا يمكن أن يدلى أحد على الله شيئا لانه عال بالذات واذا أهبط شيء إلى جهة الارض وقف في المركز ولم يصعد الى الجهة الاخري لكن يتعذر فرض الادلاء لان يكون ما ذكر من الجزاء فهكذا ما ذكره السائل اذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه يسمع كلامه وكان متوجها اليه بقليه لكن هذا مما تمتنع منه الفطرة لان قصد الشيء القصد التام بنافي قصد ضده فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة - السفلى فكذلك قصد الاعلى بالذات بنافي قصده من أسفل وكما أن ما يهبط الى جوف الارض يمتنع صعوده الى تلك الناحية لانها عالية فترد. الهابط بعلوها كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد اليها من الثقيل فلا يصعد الثقيل الا برافع يرفعه يدافع به ما في فوقه من الهبوط فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك الى ذلك الوجه الا برافع يرفعه يدافع به مافي فوقه من الهبوط الى المركز فان قدر ان الدافع أقوي كان صاعداً به الى الفلك من تلك الناحية وصعد به الى الله وانما يسمي هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين أن ما يحاذي أرجلهم يكون هابطا ويسمى هبوطا مع تسمية اهباطه ادلاء وهو أنما يكون ادلاء حقيقيا الى المركز ومن هناك انما يكون مدحا للحبل والدلو ادلاء له لكن الجزاء والشرط مقدران لا محققان فانه قال لو أدلى لهبط أى لو فرض أن هناك ادلاء الفرض أن هناك هبوطا وهو يكون ادلاء و هبوطا اذا قدر أن السموات تحت الارض وهذا التقدير منتف ولكن فائدته بيان الاحاطة والعلو من كل جانب وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه فلا يتصور أن يدلى ولا يتصور أن يهبط على الله شيء لكن الله قادر على أن يخرق من هنا الى هناك بحبل ولكن لا يكون في حقه ادلاء فلا يكون في حقه هبوطا عليه . كما لو خرق بحبل من القطب الى القطب أو من مشرق الشمس إلى مغربها وقدرنا أن الحبل مر في وسط الارض فان الله قادر على ذلك كله ولا فرق بالنسبة اليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب اليمين منا الى جانب اليسار أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا . . أو من جهة رؤوسنا الى جهة أرجلنا اذا مر الحبل بالارض فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط الى جانبه الآخر مع خرق المركز وبتقدر احاطة قبضته بالسموات والارض فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل اليه ولا يسمي شيء من ذلك بالنسبة اليه ادلاء ولا هبوطا . وأما بالنسبة الينا فان ما تحت أرجلنا تحت لنا وما فوق رؤوسنا فوق لنا وما ندليه من ناحية رءوسنا إلى ناحية أرجلنا تتخيل أنه هابط فاذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هناك لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا والمقصود به بيان احاطة الخالق سبحانه وتعالى كما بين أنه يقبض السموات ويطوي الارض ونحو ذلك مما فيه بيان أحاطته بالمخلوقات . ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . وهذا كله على تقدير صحته قال الترمذي لما رواه قال وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل وهو أنه حال بذاته في كل مكان وأن وجوده وجود الامكنة ونحو ذلك . والتحقيق أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك ان كان ثابتاً فان قوله لو أدلى بحبل لهبط يدل على أنه ليس في المدلى ولا في الحبل ولا في الدلو ولا في غير ذلك وأنها تقتضى أنه من تلك الناحية وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته يكون دالا على الاحاطة. والاحاطة قد علم أن الله قادر عليها وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة وليس في اثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع لكن لا تتكلم الا بما تعلم وما لا تعلمه أمسكنا عنه وما كان مقدمة دليله مشكوكا فيها عند بعض الناس كان حقه أن يشك فيه حتي يتبين له الحق والا فليسكت عمالم يعلم وأن يبين هذا فكذلك قصده يقصده الى تلك الناحية ولو فرض أنا فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في حقنا . لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الامكان. ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على تنازع الناس في النية المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا أن الارادة الجازمة توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد ومتي لم يفعل مقدوره لم تكن ارادته جازمة بل يكون هما ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه فان تركها لله كتبت له حسنة ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم امرأة العزيز كما قال الامام احمد الهم همان هم خطرات ، وهم اصرار . فيوسف عليه السلام هم هما تركه لله فأنيب عليه ، وتلك همت هم اصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها وان لم يحصل لها المطلوب . والذين قالوا يعاقب بالارادة احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم اذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار قالوا يارسول الله هذا القاتل فمابال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه ، وفي رواية أنه كان حريصا على قتل صاحبه فهذا أرادارادة جازمة وفعل ما يقدر عليه وان لم يدرك مطلوبه فهو بمنزلة امرأة العزيز. فمتى كان القصد جازما لزم ان يفعل القاصد ما يقدر عليه من حصول المقصود فاذا كان قادرا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع من القصد التام أن يحصله بطريق معلق من بعيد فلهذا >
- - امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له ان يتوجهوا اليه الا توجها مستقما فيتوجهوا الى العلو دون سائر الجهات لانه الصراط المستقيم القريب وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه. فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد والسائل المضطر يمتنع أن يتوجه اليه الا الى العلو ويمتنع أن يتوجه اليه الى جهة أخرى كما يمتنع ان يدلى بحبل يهبط عليه فهذا هذا والله أعلم وأما من جهة الشرعة فان الرسل صلوات الله عليهم يعثو ابتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديل الفطرة وتغييرها . قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء » وقال الله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) فجاءت الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم فانهم غيروا الفطرة في العلم والارادة جميعاً وخالفوا العقل والنقل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع . وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا قام أحدكم الى الصلاة فلا يبحقن قبل وجهه فان الله قبل وجهه. ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا ولكن عن يساره و تحت رجله » وفي رواية « أنه اذن يبصق في ثوبه، وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم « لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد الاسيخلو به ربه فقال أبورزين كيف يسعنا يارسول الله وهو واحد ونحن جميع فقال سأنبيك بمثل ذلك في. آلاء الله هذا القمر آية من آيات الله كلهم يراه محلياً به فالله أكبر » ومن المعلوم أن من توجه الى القمر وخاطبه اذا قدر أن يخاطبه لا يتوجه اليه الا بوجهه مع كونه فوقه فهو مستقبل له بوجهه مع كونه فوقه ومن الممتنع في الفطرة أن يستديره ويخاطبه مع قصده التام له وان كان ذلك ممكنا وأنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره ليسمع هو الخطاب فأما مع زوال المانع فأنما يتوجه اليه فكذلك العبد اذا قام الى الصلاة فانه يستقبل ربه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله ويدعوه من العاولا من السفل كما اذا قدر أنه يخاطب القمر . وقد ثبت في الصحيحين أنه قال « لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع اليهم أبصارهم ، واتفق العلماء على أن رفع المصلى بصره الى السماء منهي عنه . وروى أحمد عن محمد ابن سيرين » أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة لان الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع وهو الذل والسكوت لا يناسب حاله أن ينظر الى ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسب حاله الاطراق وغض بصره أمامه . وليس نهي المصلى عن رفع بصره في الصلاة رداً على أهل الاثبات الذين يقولون انه على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية فان الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر . فالجميع سواء. ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى جهته ويؤمر برده الى أخرى لان هذه وهذه عند الجهمية سواء. وأيضاً فلو كان الامر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملا لجميع أحوال العبد وقد قال تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء) فليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقا وأنما نهى في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع لان خفض البصر من تمام الخشوع كما قال تعالى ( خاشعة أبصارهم يخرجون من الاحداث ) وقال تعالى ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى ) وأيضاً فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء لكان لا فرق بين رفعه الى السماء ورده الى الجهات. ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في جميع السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه الى العلو لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الاحكام فكيف وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف الامة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش أو أنه ليس فوق السماء أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولامباين له أو أنه لا يقصد العبد اذا دعاه العلو دون سائر الجهات بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ويزعمون أنه الحق ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والائمة مملوءة بما يدل على نقيض قولهم وهم يقولون ان ظاهر ذلك كفر فنؤول أو نفوض فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة وأقوال السلف والائمة في هذا الباب شيء والسلب الذي يزعمون أنه الحق الذى يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين اعتقاده عندهم لم ينطق به رسول ولاني ولا أحد من ورثة الانبياء والمرسلين. والذي نطقت به الانبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق بل هو مخالف للحق في الظاهر، بل وحذاقهم يعلمون أنه مخالف للحق في الظاهر والباطن لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الانبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس الا بخلاف الحق الباطن فليسو او كذبوا المصلحة العامة . فيقال لهم فهلا نطقوا بالباطن لخواصهم الاذكياء الفضلاء أن كان ما يزعمونه حقا. وقد علم أن خواص الرسل هم على الاثبات أيضا ، وانه لم ينطق بالنفي أحد منهم إلا أن يكذب على أحدهم كما يقال عن عمر « أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر كانا يتحدنان وكنت كالزنجي بينها، وهذا مختلق باتفاق أهل العلم. وكذلك ما نقل عن على وأهل بيته أن عندهم علما باطنا يخالف الظاهر الذي عند جمهور الامة * وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن على رضى الله عنه أنه لم يكن عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس، ولا كتاب مكتوب الا ما كان في الصحيفة وفيها الديات وفكاك الاسر وأن لا يقتل مسلم بكافر * ثم أنه من المعلوم أن من جعله الله هاديا مبلعاً بلسان عربي مبين اذا كان لا يتكلم قط الا بما يخالف الحق الباطن الحقيقى فهو الا الضلال والتدليس أقرب منه الي الهدي والبيان . وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا . والمقصود أن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه بعضا وهو موافق لفطرة الخلائق وما جعل فيهم من العقول الصريحة والقصود الصحيحة لا يخالف العقل الصريح ولا القصد الصحيح ولا الفطرة المستقيمة ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما يظن . تعارضها من صدق بباطل من النقول أو فهم منه مالم يدل عليه أو اذا اعتقد شيئا ظنه من العقليات وهو من الجهليات أو من الكشوفات وهو من المكسوفات ان كان ذلك معارضا لمنقول صحيح والاعارض بالعقل الصريح أو الكشف الصحيح ما يظنه منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون كذبا عليه أو ما يظنه لفظا دالا على شيء ولا يكون دالا عليه كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم «الحجر الاسود عين الله في الارض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه » حيث ظنوا ان هذا وأمثاله يحتاج الى التأويل وهذا غلط منهم لو كان هذا اللفظ نابتا عن النبي صلي الله عليه وسلم فان هذا اللفظ صريح في أن الحجر ليس هو من صفات الله اذ قال هو يمين الله في الأرض فتقييده بالارض يدل علي أنه ليس هو يده على الاطلاق فلا يكون اليد الحقيقية وقوله فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحا لله ولا مقبلا ليمينه لان المشبه ليس هو المشبه به وقد أتى بقوله فكانما وهي صريحة في التشبيه واذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين لا أنه نفس اليمين كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة المين قائلا للكذب الميين فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كري الشكل سواء كان هو الفلك التاسع قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات وهو العالى - عليها من جميع الجوانب وانه لا يجوز أن يكون شيء مما في السماء والارض فوقه وأن القاصد الى ما فوق العرش بهذا التقدر أنما يقصد إلى العلولا يجوز في الفطرة ولا في الشرعة مع تمام قصده أن يقصد لا جهة أخرى من جهاته الست بل هو أيضاً يستقبلة بوجهه مع كونه أعلى منه كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من المثل بالقمر ولله المثل الاعلى وبين أن مثل هذا اذا جاز في القمر وهو آية من آيات الله تعالى فالخالق أعلى وأعظم وأما اذا قدر أن العرش ليس كرى الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الارض وأنه فوق الافلاك الكرية كما أن وجه الارض الموضوع للانام فوق نصف الارض الكرى أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ماسواه وليس كري الشكل فعلى كل تقدير لا تتوجه الى الله الا الى العلو لا الى غير ذلك من الجهات . فقد ظهر أنه على كل تقدير يجوز أن يكون التوجه إلى الله الا الى العلو مع كونه على عرشه مباينا الخلقه وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات كما يحيط بها اذا كانت في قبضته أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ويحيط بها فهو على التقديرين يكون فوقها مباينا لها فقد تبين أنه على هذا التقدير في الخالق وعلى هذا التقدير في العرش لا يلزم شيء من المحذور والتناقض وهذا يزيل كل شبهة وانما تيينا الشبهة في اعتقادين فاسدين أحدهما أن يظن أن العرش اذا كان كريا والله فوقه وجب أن يكون الله كريا ثم يعتقد أنه اذا كان كريا فيصح التوجه الى ما هو كرى كالفلك التاسع من جميع الجهات وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال فان الله مع كونه فوق العرش ومع القول بأن العرش كرى سواء كان هو التاسع أو غيره لا يجوز أن يظن أنه مشابه الافلاك في أشكالها كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أفدارها ولا في صفاتها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك وأنها عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا فاذا كانت الحصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار أو الكرة التي يلعب بها الصبيان ونحوذلك في يد الانسان أو تحته أو نحو ذلك هل يتصور عاقل اذا استشعر علو الانسان على ذلك واحاطته به أن يكون الانسان كالفلك والله وله المثل الاعلى أعظم من أن يظن ذلك به وانما يظنه الذين ما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون . وكذلك اعتقادهم الثاني وهو أن ما كان فلكا فانه يصح التوجه اليه من الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل الذين يعلمون الهيئة وأهل العقل الذين يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الامكان فقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ في العقل والشرع وانه لا يجوز أن تتوجه القلوب اليه الا إلى العلو لا الى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض من التقديرات سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره سواء كان محيطا بالفلك كرى الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريا سواء كان الخالق سبحانه محيطا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته أو كان فوقها من جهة العلو منا التي تلى رؤوسنادون الجهة الاخرى فعلى أى تقدير فرض كان كل من مقدمتي السؤال باطلة وكان الله تعالى اذا دعوناه أنما ندعوه بقصد العلو دون غيره كما فطرنا على ذلك. ولهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله أعلم
- تمت والحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين بمباشرة
- إدارة الطباعة المنيرية لصاحبها ومديرها محمد منير عبد أغا الدمشقي
- هذا مذهب السلف وهو اعتقاد ما صرح به الكتاب والسنة والايمان به بدون تعرض الى ما يلزمه على مذهب المؤولين بل يكل معنى ذلك الى الرب تبارك وتعالى وانه ليس كمثله شيء
- في النسخة المطبوعة وانما تكلم على هذا التقدير والافلاك الخ .
- النسخة المطبوعة في مجموعة رسائله الكبرى بمصر بهذا القدر وأما نسختنا فهي النسخة التامة الصحيحة الوافية بكل ما أجاب به ولعل من نشر الوسائل الكبرى لم يعثر الا على هذا القدر.
- هكذا الأصل اهـ .
نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق
المدون
المدون دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

الثلاثاء، 13 يناير 2026
الرسالة العرشية المؤلف ابن تيمية
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
{من ج1 الي اخر ج6.} كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري كتاب السلطان محل ال...
-
ذو القرنين ذو القرنين تخطيط لذي القرنين الولادة غير معروف الوفاة غير معروف المهنة قائد عسكري مبجل(ة) في الإسلام المقام الرئيسي غير معروف ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق