المدون

المدون دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

 https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhJ2zSp1N1WlsacBgUfzJatcAjp4B7bKpmuVhH0IQciH94rCUjHDLouo1ui9aAjGyCA3UrGXv5Zn3qipqeD-yTR3203JB0PXjzbnesJI2kSUKX8fDy02NbZtXSTJ0-OTwW5mfQdEK6Uwaw5OPOmh6cE2UK5gSJvFTg2HMwZ9CGcXWGkcj7u7LSy62awoJo/s761/%D8%A8%D9%84%D8%A7%20%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg

الأحد، 11 يناير 2026

من علامات الساعة الكبري










" من أشراط السَّاعة الكبرى: النار التي تحشر الناس "

ومنها خروج النار العظيمة، وهي آخرأشراط السَّاعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة.

* مكان خروجها:

جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يون من اليمن، من قعرة عدن (هي المدينة المعروفة في اليمن جنوب الجزيرة العربية) وتخرج من بحر حضرموت؛ كما جاء في روايات أخرى.

إليك طائفة من الأحاديث التي تبيِّن مكان خروج هذه النار، وهي من الأدلَّة على ظهورها.

1- جاء في حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى قوله صلى الله عليه وسلم: " وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم " (صحيح مسلم).

2- وفي رواية له عن حذيفة أيضًا: " ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل الناس " (صحيح مسلم).

3- وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت، قبل يوم ا لقيامة، تحشر الناس " (قال الألباني: " صحيح ".

انظر: " صحيح الجامع الصغير).

4- وروى الإمام البخاري عن أنس رضى الله عنه أن عبد الله بن سلام لما اسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مسائل، ومنها: ما أول أشراط السَّاعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما أول أشراط السَّاعة؛ فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " (صحيح البخاري).

والجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر اشراط السَّاعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراط السَّاعة: أن آخريتها باعتبار ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أوَّل الآيات التتي لا شيء بعدها من أمور الدُّنيا أصلًا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشيا من أمور الدُّنيا (فتح الباري).

وأما ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ فيجاب عن ذلك بأجوبة:

1- أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، المراد بقوله: " تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب (فتح الباري).

2- أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولًا، ويؤيِّد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغابة إلى المغرب؛ فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب.

3- يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق، حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصرن وهما من جهة المغرب؛ كما شوهد ذلك مرارًا من عهد جنكزخان ومَن بعده.

وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد ابن عمر، فهي نارٌ حقيقة(فتح الباري) والله أعلم.

* كيفية حشرها للناس:

عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن؛ تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:

الأول: فو جٌ راغبون طاعمون كاسون راكبون.

الثاني: وفوجٌ يمشون تارة ويركبون أخرى، يعتقبن على البعير الواحد؛ كما سيأتي في الحديث: " اثنان على بعير، ثلاثة على بعير.

.

إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه " وذلك من قلة الظهر يومئذٍ.

والفوج الثالث: تحشرهم النار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار (انظر: " النهاية / الفتن والملاحم).

ومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النار للناس:

1- روى الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر الناس على ثلاث طواف راغبين وراهبين، وأثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحشُر بقيتَهم النار؛ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث بانوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أسوا (البخاري ومسلم).

2- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبعث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم باتو وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سَوق الجمل الكسير " (رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، ورجاله ثقات.

" مجمع الزوائد ".

ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال " هذ حديث صحيح، ولم يخرجا " ووافقه الذهبي على تصحيحه).

3- وعن حذيفة بن أسيد رضى الله عنه ؛ قال: قام أبو ذر رضى الله عنه فقال: يا بني غفار !قولوا ولا تختلفوا ؛ فإن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حدثني " أن الناس يُحشرون ثلاث افواج: فوجٌ راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون وفو تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار " فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: " يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظَهرٌ، حتى إن الرجل لَيكون له الحديقة المعجمة، فيعطيها بالشارف (الشارف: هي الناقة المسن أو الهرمة) ذات القتب (القتب: بكسر القاف وسكون التاء، هو الرحل الذي يوضع على قد سنام البعير، والمعنى: الناقة العاملة) فلا يقدر عليها " (مسند الإمام أحمد بهامشه منتخب كنز العمال) و " سنن النسائي "، كتاب الجنائز، باب البعث، و " مستدرك الحاكم " وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد إلى الوليد بن جميع، ولم يخرجاه).

*أرض المحشر:

يحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان، وهي أرض المحشر؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:

1- منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في ذكر خروج النار، وفيه: قال: قلنا: يا رسول الله ! فماذا تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام " (رواه الإمام أحمد الترمذي).

2- وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه.

.

(فذكر الحديث، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم): " ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون (ثلاثًا) ركبانأً، ومشاة، وعلى وجوهكم ".

قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام، فقال: " إلى ها هُنا تُحشَرون " (مسند أحمد " (بهامشه منتخب كنز العمال).

3- وفي رواية الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ قال: قلت: يا رسول الله ! أين تأمرني؟ قال: " ها هنا (ونحا بيده نحو الشام) " (الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح).

4- وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوأ، وتأكل من تخلَّف " (مسند الإمام أحمد " قال أحمد شاكر: " إسناده صحيح).

قال ابن حجر: " وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شكَّ أن المحشر ها هنا – يعني: الشام -؛ فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر " (فتح الباري).

والسبب في كون أرض الشام هي أرض المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون الشام.

وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة:

منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فظننتُ أنه مذهوبٌ به، فأتبعتُهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام " (مسند الإمام أحمد " أخرجه أحمد، ويعقوب بن سفيان، والطبراني.

وسنده صحيح ".

انظر: فتح الباري).

وأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيتُ ليلة أُسري بي عمودًا أبيض كأنه لواءٌ تحمله الملائكة، فقلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الكتاب؛ أُمِرنا أن نضعه بالشام (فتح الباري).

وروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجنَّدة: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق " قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك فقال: " عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إذا أبيتهم؛ فعليكم بيَمنِكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكَّل لي بالشام وأهله " (سنن أبي داود،والحديث صحيح.

انظر: صحيح الجامع الصغير).

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للشام بالبركة؛ كما ثبت في " الصحيح " عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا " (صحيح البخاري).

وقد تقدم أن نزول عيسى عليه السلام في آخر الزَّمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجَّال.

وقد أنكر أبو عبيَّة أن تكون أرض الشام هي أرض المحشر، فقال: " الكلام الذي يحدِّد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل في القرآن الكريم ما ينقضه؛ قال الله تعالى: " يوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ " [إبراهيم: 48] فأين أرض الشام إذن؟! " (النهاية/ الفتن والملاحم).

ويجاب عنه بأن الأدلَّة متضافرة على أن أرض المحشر هي الشام؛ كما سبق ذكرها.

والحامل له على هذا هو اعتقاده أن هذا المحشر في الآخرة، وليس في الدُّنيا، وسأبين في البحث الآتي أن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما تدلُّ عليه النصوص الصحيحة.

* هذا الحشر في الدُّنيا:

هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدُّنيا، وحشران في الآخرة:

أما حشرا الدُّنيا:

فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام.

والثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام، وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث (انظر: " تفسير القرطبي " والتذكرة).

وكون هذا الحشر في الدُّنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء؛ كما ذكر ذلك القرطبي، ابن كثير، وابن حجر، وهو الذي تدلُّ عليه النصوص كما تقدم بسطها.

وذهب بعض العلماء، كالغزالي، والحليمي (انظر: المنهاج في شعب الإيمان) إلى أن هذا الحشر ليس في الدُّنيا (انظر: فتح الباري) وإنما هو في الآخرة؟ وذكر ابن حجر أن بعض شرُّاح المصابيح حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:

1- أن الحشر إذا أُطلق في عرف الشرع؛ إنما يُراد به الحشر من القبور؛ ما لم يخصه دليلٌ.

2- أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام؛ لأن المهاجر لا بد أن تكون راغبًا أو راهبًا أو جامعًا بين الصفتين.

3- أن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لات تفارقهم: قولٌ لم يرد به التوفيق، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدُّنيا على أهل الشقوة من غير توقيف.

4- أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن عل بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: " ثلاثًا على الدواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم "، وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: " وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً " [الواقعة: 7] (انظر: فتح الباري).

والإجابة عما احتجوا به يتلخص فيما يأتي:

1- أن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.

2- أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث؛ فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر ويسرة من الزاد راغبًا فيما يستقبله راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأول من الحديث، ومَن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف

الثاني، والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة.

3- أنه تبيَّن من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج في الدُّنيا، أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.

4- أن الحديث الذي احتجُّوا به من رواية على بن زيد- وهو مختلف في توثيقه – لا يخالف الأحاديث التي بيَّنتُ أن هذا الحشر في الدُّنيا، وقد وقع في حديث على بن زيد المذكور عند الإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، أكمله د.

الحسيني عبد المجيد هاشم، وذكر أن إسناده حسن، ولكن الحافظ ابن حجر ضعف راويه علي بن زيد بن جدعان،انظر: " فتح الباري) أنهم: " يتَّقون بوجوههم كل حدب وشوك وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها ولا أكمة ولا حدب ولا شوك " (انظر: فتح الباري).

قال النووي: " قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدُّنيا قبيل القيام، وقبيل النفخ في الصور؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: تحشر بقيتهم النار؛ تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي " (شرح النووي لمسلم).

وقال الحافظ ابن كثير – بعد ذكره للأحاديث الواردة في خروج النار مبينًا أن هذا الحشر في الدُّنيا -: " فهذا السياقات تدلُّ على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدُّنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي الأرض الشام.

.

وهذا كله مما يدلُّ على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موتٌ، ولا ظهرٌ يُشترى، ولا أكل، ولا شرب، ولا لبس في العرصات " (النهاية/ الفتن والملاحم).

وأما حشر الآخرة؛ فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلا (غرلا: جمع أغرل، وهو الأقلف، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر) بهما (بهما: حمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالطه لون سواه، والمعنى: ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا) ففي الصحيح عن ابن عباس؛ قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه " [الأنبياء: 104] وإن أول الخلق يُكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل " (صحيح البخاري).

قال ابن حجر: " ومن أين للذين يُبعَثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعوها في الشوارف " (فتح الباري).

فدلَّ هذا على أن هذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، ومَن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق، والله تعالى أعلم.
******************









" من أشراط السَّاعة الكبرى: الدَّابَّة "

ظهور دابَّة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب السَّاعة ثابت بالكتاب والسنة:

* أدلَّة ظهورها:

أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: " وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ " [النمل: 82].

فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخرِج الله لهم دابة من الأرض، فتكلم الناس على ذلك (انظر: تفسير ابن كثير).

قال العلماء في معنى قوله تعالى: " وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ " أي: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق، والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبرها، والنزل على حكمها، وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظة، ولا يصرفهم عن غيهم تذكرة، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلمهم؛ أي: دابة تعقل وتنطق، والدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم الناس أن ذلك آية من عند الله تعالى (لتذكرة).

وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: " وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن ".

ثم قال: " أكثرِوا تلاوة القرآن قبل أن يرفع " قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: " يُسرى عليه ليلًا، فيصبحون منه قَفرًا، وينسون (لا إلهَ إلا الله) ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القولُ عليهم " (تفسير القرطبي).

ب- الأدلَّة من السنة المطهَّرة:

1- روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابة الأرض " (صحيح مسلم).

2- وله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا " (صحيح مسلم).

1- ومضى حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، فذكر منها الدابة، وفي رواية: " دابَّة الأرض " (صحيح مسلم).

4- وروى الإمام أحمد عن أبي أُمامة رضى الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم (الخرطوم;الأنف.

وقيل: مقدم الأنف) ثم يغمرون (أي: يكثرون) فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطيين " (مسند الإمام أحمد - بهامشه منتخب الكنز،وقال الألباني: " صحيح ".

انظر: صحيح الجامع الصغير).

5- وروى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بادروا بالأعمال ستًا.

.

(وذكر منها) دابة الأرض " (صحيح مسلم).

6- وروى ا لإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدَّابة ومعها عصا موسى عليه السلام، وخاتم سليمان عليه السلام، فتخطم (تخطم الكافر أي: تسمه، من: خطمت البعير إذا كويته خطمًا من الأنف إلى أحد خديه، وتسمى تلك السمة الخطام، ومعناه: أن تؤثر في أنفه سمة يعرف بها) الكافر – قال عفان (أحد رواة الحديث): أنف الكافر –بالخاتم، وتجلو وجه (الجلى – مقصورة -: انحسار مقدم الشعر، والمعنى تصقله وتبيضه) المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان (هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل) ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر " (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، وقال: " إسناده صحيح ".

وسنن الترمذي، أبواب التفسير، سورة النمل، وقال: " حديث حسن " ومستدرك الحاكم، وسبب تضعيفه لهذا الحديث أن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو عنده ضعيف.

أما الشيخ أحمد شاكر؛ فيرى أنه ثقة، حيث قال في تعليقه على " المسند ": " علي بن زيد: هو ابن جدعان، وقد سبق أننا وثقناه، وهو مختلف فيه، والراجح عندنا توثيقه، وقد صحح له الترمذي أحاديث).

* من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:

اختلفت الأقوال في تعيين دابَّة الأرض، وإليك بعض ما قاله العلماء في ذلك:

الأول: قال القرطبي: " أول الأقوال أنها فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم " (تفسير القرطبي).

واستشهد لهذا القول بما رواه أبو داود الطيالسي عن حذيفة بن أسيد الغفاري؛ قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لدَّابَّة.

.

(فذكر الحديث، وفيه): " لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام " (منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي، باب خروج الدابة للساعاتي، ولفظه: " ترنو "، وليس فيه: " ترغو ".

ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه " قلت: الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عند الطيالسي والحاكم طلحة بن عمر الحضرمي: قال ابن معين: " ليس بشيء، ضعيف "، وقال الذهبي في " ذيل المستدرك ": " تركه أحمد "، وقال الهيثمي: " رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك "، " مجمع الزوائد " وانظر: " تهذيب التهذيب ـ وهذا الحديث أخرجه الحافظ ابن حجر في " المطالب العالية " وعزاه للطيالسي، ولفظه: " تزعق "، بدل: ترغو).

وموضع الشاهد قوله: " ترغو " والرغاء إنما هو للإبل، وذلك " أن الفصيل لما قُتِلتِ الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل ".

ثم قال: " لقد أحسن من قال:

واذكر خروج فصيل ناقة صالح يسم الورى بالكفر والإيمان (التذكرة)

وترجيح القرطبي لهذا القول فيه نظر؛ فإن الحديث الذي استند إليه في سنده رجل متروك.

وأيضًا؛ فإنه جاء في بعض كتب الحديث لفظ: (تدنو) و(تربو) بدل: (ترغو) كما في " المستدرك " للحاكم.

الثاني: أنها الجسَّاسة المذكورة في حديث تميم الداري رضى الله عنه في قصة الدَّجَّال.

وهذا القول منسوبٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاض رضي الله عنهما (شرح النووي لمسلم، وممن قال بأنها الجساسة: البيضاوي في " تفسيره " وانظر: " الإذاعة " وكتاب " العقيدة الركن الأول في الإسلام " للشيخ محمد الفاضل).

وليس في حديث تميم ما يدلُّ على أن الجساسة هي الدَّابة التي تخرج آخر الزمان، وإنما الذي جاء فيه أنه لقي دابَّة أهلب كثيرة الشعر، فسألها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.

وسُمِّيت بالجساسة لأنها تجسُّ الأخبار للدَّجَّال(النهاية في غريب الحديث، وشرح السنة للبغوي).

وأيضًا؛ فما جاء في شأن الدَّابَّة التي نتحدث عنها من تعنيف الناس وتوبيخهم على كفرهم بآيات الله تعالى يُبيِّن أنها غير الجساسة التي تنقل الأخبار للدجال، والله أعلم.

الثالث: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة.

وهذا القول نسبه القرطبي (تفسير القرطبي) إلى ابن عباس رضي الله عنهما؛ منقولًا من كتاب النقاش، ولم يذكر له مستندًا في ذلك، وذكره الشوكاني في " تفسيره " (تفسير الشوكاني، فتح القدير).

الرابع: أن الدَّابَّة إنسانٌ متكلِّم يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛ لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بيِّنة.

وهذا القول ذكره القرطبي، وردَّه بأن الدَّابَّة لو كانت إنسانًا يناظر المبتدعة؛ لم تكن الدَّابَّة آية خارقة وعلامة من علامات السَّاعة العشر.

وأيضًا فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسمُّوه باسم الإنسان أو العالم أو الإمام إلى أن يسمى بالدابة، وهذا خروجٌ عن عادة الفصحاء، وعن تعظيمك العلماء (انظر: تفسير القرطبي).

الخامس: أن الدَّابَّة اسم جنس لكلِّ ما يدبُّ، وليست حيوانًا مشخَّصًا معيَّنًا يحوي العجائب والغرائب، ولعل المراد بها تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قُلوبٌ تعقل، فترجع بهم إلى الله، وإلى دينه، وتلزمهم الحجة، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فإن من معاني التكليم التجريح.

وهذا القول هو ما ذهب إليه أبو عبية في تعليقه على " النهاية/ الفتن والملاحم " لابن كثير (تحقيق محمد فهيم أبو عببية) وهو أي بعيد عن الصواب، وذلك لأمور:

أ- أن الجراثيم موجودة من قديم الزمان، وكذلك الأمراض التي تفتك بالناس في أجسامهم وزروعهم ودوابهم (انظر: " إتحاف الجماعة) والدَّابَّة التي هي من أشراط السَّاعة لم تظهر بعد.

ب- أن الجراثيم غالبًا لا ترى بالعين المجرَّدة، وأما الدَّابَّة ؛ فلم يقل أحدٌ: إنها لا تُرى، بل إن النبي ﷺ ذكر من أحوالها ما يدلُّ على رؤية الناس لها، فذكر أن معها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام.

.

إلى غير ذلك مما سبق ذكره.

ج- أن هذا الدَّابَّة تَسِم الناس على وجوههم بالكفر والإيمان، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر، وأما الجراثيم؛ فلا تفعل شيئًا من ذلك.

د- الذي يظهر أن الذي دفعه لهذا القول هو ما ذُكِر في صفة الدَّابَّة من الأقوال الكثيرة المختلفة ولكن قدرة الله أعظم، وما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب التسليم به.

وكذلك؛ فأي مانع من حمل اللفظ على المعنى المتبادر، ولا نلجأ إلى التجوز إلا إذا تعذَّرتِ الحقيقة، لا سيما أن قوله هذا مخالفٌ لأقوال المفسرين؛ فإنهم ذكروا أن هذه الدابة مخالفة لما يعتاده البشر، فهي من خوارق العادات؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها أمرٌ خارقٌ للعادة.

وقد جاء في الحديث أنهما يخرجان في وقت متقارب؛ قال صلى الله عليه وسلم: " أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا " (رواه مسلم).

والذي يجب الإيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالة على أنهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدابة؛ فهم الناس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السَّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.

والذي يؤيد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب الناس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو أنه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السلام، فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام (انظر: " في ظلال القرآن).

قال أحمد شاكر رحمه الله: " والآية صريحةٌ بالقول العربي أنها (دابَّة) ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل.

.

ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة) الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن ربه، والمبيِّن آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإباحيون، المتحلِّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون (الجمجمة: هو أن لا يبين كلامه.

انظر: ترتيب القاموس المحيط) ويحاورون، ويداورون، ثم يتأولون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة الغرب، يجعلونه أشبه بالرموز؛ لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون " (شرح أحمد شاكر لـ " مسند أحمد).

* مكان خروج الدَّابَّة:

اختلفت الأقوال في تعيين مكان خروج الدَّابَّة،فمنها:

1- أنها تخرج من مكة المكرَّمة من أعظم المساجد.

ويؤيد هذا القول ما رواه الطبراني في " الأوسط " عن حذيفة بن أسيد – أراه رفعه - ؛ قال: " تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبت الأرض، فبينا هم كذلك إذ تصدّضعت " (مجمع الزوائد).

قال ابن عيينة: " تخرج حين يسري الإمام جمع، وإنما جعل سابقًا ليخبر الناس أن الدَّابَّة لم تخرج " (مجمع الزوائد،قال الهيثمي: " رجاله ثقات).

2- أن لها ثلاث خَرَجات، فمرة تخرج في بعض البوادي ثم تختفي، ثم تخرج في بعض القرى، ثم تظهر في المسجد الحرام (جاء في حديث حذيفة بن أسيد عند الحاكم: إن لها " ثلاث خرجات "، وذكر الحديث بطوله، ثم قال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ".

ووافق الذهبي في " تلخيصه المستدرك).

وهناك أقوال أخرى غير ما ذكرته، غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكي (انظر: التذكرة والإشاعة) فالله أعلم بذلك.

* عمل الدَّابَّة:

إذا خرجت هذه الدَّابَّة العظيمة؛ فإنها تسم المؤمن والكافر.

فأما المؤمن؛ فإنها تجلو وجهه حتى يشرق، ويكون ذلك علامة على إيمانه.

وأما الكافر؛ فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره والعياذ بالله.

وجاء في الآية الكريمة قوله تعالى: " أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ " [النمل: 82].

وفي معنى هذا التكليم اختلفت أقوال المفسرين:

1- أن المراد: تكلمهم كلامًا أي: تخاطبهم مخاطبة ويدلُّ على هذا قراءة أُبي بن كعب رضى الله عنه: (تنبئهم).

2- تجرحهم، ويؤيد ذلك قراءة (تَكْلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف، من الكلم، وهو الجرح، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس رضى الله عنه؛ أي: تسمهم وسمًا (انظر: " تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني).

وهذا القول يشهد له حديث أبي أُمامة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم " (مسند الإمام أحمد - بهامشه منتخب الكنز،وقال الألباني: " صحيح ".

انظر: صحيح الجامع الصغير).

وروى عن ابن عباس أنه قال: " كلا تفعل " أي: المخاطبة والوسم.

قال ابن كثير: " وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم " (تفسير ابن كثير).

وأما الكلام الذي تخاطبهم به؛ فهو قولها: " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ " [النمل: 82].

وهذا على قراءة مَن قرأها بفتح همزة (إن) أي: تخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهذا قراءة عامَّة قرَّاء الكوفة وبعض أهل البصرة.

وأما قراءة عامة قراء الحجاز والبصرة والشام؛ فبكسر همزة (إن) على الاستئناف، ويكون المعنى: تكلِّمُهم بما يسوؤهم، أو ببطلان الأديان سوى دين الإسلام (انظر: " تفسير الطبري وتفسير القرطبي وتفسير الشوكاني).

قال ابن جرير: " الصواب من القول في ذلك أنها قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضتان في قراءة الأمصار " (تفسير الطبري).
**********************






" من أشراط السَّاعة الكبرى: النار التي تحشر الناس "

ومنها خروج النار العظيمة، وهي آخرأشراط السَّاعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة.

* مكان خروجها:

جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يون من اليمن، من قعرة عدن (هي المدينة المعروفة في اليمن جنوب الجزيرة العربية) وتخرج من بحر حضرموت؛ كما جاء في روايات أخرى.

إليك طائفة من الأحاديث التي تبيِّن مكان خروج هذه النار، وهي من الأدلَّة على ظهورها.

1- جاء في حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى قوله صلى الله عليه وسلم: " وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم " (صحيح مسلم).

2- وفي رواية له عن حذيفة أيضًا: " ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل الناس " (صحيح مسلم).

3- وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت، قبل يوم ا لقيامة، تحشر الناس " (قال الألباني: " صحيح ".

انظر: " صحيح الجامع الصغير).

4- وروى الإمام البخاري عن أنس رضى الله عنه أن عبد الله بن سلام لما اسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مسائل، ومنها: ما أول أشراط السَّاعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما أول أشراط السَّاعة؛ فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " (صحيح البخاري).

والجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر اشراط السَّاعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراط السَّاعة: أن آخريتها باعتبار ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أوَّل الآيات التتي لا شيء بعدها من أمور الدُّنيا أصلًا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشيا من أمور الدُّنيا (فتح الباري).

وأما ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ فيجاب عن ذلك بأجوبة:

1- أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، المراد بقوله: " تحشر الناس من المشرق إلى المغرب " إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب (فتح الباري).

2- أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولًا، ويؤيِّد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغابة إلى المغرب؛ فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب.

3- يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق، حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصرن وهما من جهة المغرب؛ كما شوهد ذلك مرارًا من عهد جنكزخان ومَن بعده.

وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد ابن عمر، فهي نارٌ حقيقة(فتح الباري) والله أعلم.

* كيفية حشرها للناس:

عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن؛ تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:

الأول: فو جٌ راغبون طاعمون كاسون راكبون.

الثاني: وفوجٌ يمشون تارة ويركبون أخرى، يعتقبن على البعير الواحد؛ كما سيأتي في الحديث: " اثنان على بعير، ثلاثة على بعير.

.

إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه " وذلك من قلة الظهر يومئذٍ.

والفوج الثالث: تحشرهم النار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار (انظر: " النهاية / الفتن والملاحم).

ومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النار للناس:

1- روى الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر الناس على ثلاث طواف راغبين وراهبين، وأثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحشُر بقيتَهم النار؛ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث بانوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أسوا (البخاري ومسلم).

2- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبعث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم باتو وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سَوق الجمل الكسير " (رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، ورجاله ثقات.

" مجمع الزوائد ".

ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال " هذ حديث صحيح، ولم يخرجا " ووافقه الذهبي على تصحيحه).

3- وعن حذيفة بن أسيد رضى الله عنه ؛ قال: قام أبو ذر رضى الله عنه فقال: يا بني غفار !قولوا ولا تختلفوا ؛ فإن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حدثني " أن الناس يُحشرون ثلاث افواج: فوجٌ راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون وفو تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار " فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: " يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظَهرٌ، حتى إن الرجل لَيكون له الحديقة المعجمة، فيعطيها بالشارف (الشارف: هي الناقة المسن أو الهرمة) ذات القتب (القتب: بكسر القاف وسكون التاء، هو الرحل الذي يوضع على قد سنام البعير، والمعنى: الناقة العاملة) فلا يقدر عليها " (مسند الإمام أحمد بهامشه منتخب كنز العمال) و " سنن النسائي "، كتاب الجنائز، باب البعث، و " مستدرك الحاكم " وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد إلى الوليد بن جميع، ولم يخرجاه).

*أرض المحشر:

يحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان، وهي أرض المحشر؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:

1- منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في ذكر خروج النار، وفيه: قال: قلنا: يا رسول الله ! فماذا تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام " (رواه الإمام أحمد الترمذي).

2- وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه.

.

(فذكر الحديث، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم): " ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون (ثلاثًا) ركبانأً، ومشاة، وعلى وجوهكم ".

قال ابن أبي بكير: فأشار بيده إلى الشام، فقال: " إلى ها هُنا تُحشَرون " (مسند أحمد " (بهامشه منتخب كنز العمال).

3- وفي رواية الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ قال: قلت: يا رسول الله ! أين تأمرني؟ قال: " ها هنا (ونحا بيده نحو الشام) " (الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح).

4- وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوأ، وتأكل من تخلَّف " (مسند الإمام أحمد " قال أحمد شاكر: " إسناده صحيح).

قال ابن حجر: " وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شكَّ أن المحشر ها هنا – يعني: الشام -؛ فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر " (فتح الباري).

والسبب في كون أرض الشام هي أرض المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون الشام.

وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة:

منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فظننتُ أنه مذهوبٌ به، فأتبعتُهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام " (مسند الإمام أحمد " أخرجه أحمد، ويعقوب بن سفيان، والطبراني.

وسنده صحيح ".

انظر: فتح الباري).

وأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيتُ ليلة أُسري بي عمودًا أبيض كأنه لواءٌ تحمله الملائكة، فقلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الكتاب؛ أُمِرنا أن نضعه بالشام (فتح الباري).

وروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجنَّدة: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق " قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك فقال: " عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إذا أبيتهم؛ فعليكم بيَمنِكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكَّل لي بالشام وأهله " (سنن أبي داود،والحديث صحيح.

انظر: صحيح الجامع الصغير).

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للشام بالبركة؛ كما ثبت في " الصحيح " عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا " (صحيح البخاري).

وقد تقدم أن نزول عيسى عليه السلام في آخر الزَّمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجَّال.

وقد أنكر أبو عبيَّة أن تكون أرض الشام هي أرض المحشر، فقال: " الكلام الذي يحدِّد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل في القرآن الكريم ما ينقضه؛ قال الله تعالى: " يوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ " [إبراهيم: 48] فأين أرض الشام إذن؟! " (النهاية/ الفتن والملاحم).

ويجاب عنه بأن الأدلَّة متضافرة على أن أرض المحشر هي الشام؛ كما سبق ذكرها.

والحامل له على هذا هو اعتقاده أن هذا المحشر في الآخرة، وليس في الدُّنيا، وسأبين في البحث الآتي أن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما تدلُّ عليه النصوص الصحيحة.

* هذا الحشر في الدُّنيا:

هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا، وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدُّنيا، وحشران في الآخرة:

أما حشرا الدُّنيا:

فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام.

والثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام، وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث (انظر: " تفسير القرطبي " والتذكرة).

وكون هذا الحشر في الدُّنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء؛ كما ذكر ذلك القرطبي، ابن كثير، وابن حجر، وهو الذي تدلُّ عليه النصوص كما تقدم بسطها.

وذهب بعض العلماء، كالغزالي، والحليمي (انظر: المنهاج في شعب الإيمان) إلى أن هذا الحشر ليس في الدُّنيا (انظر: فتح الباري) وإنما هو في الآخرة؟ وذكر ابن حجر أن بعض شرُّاح المصابيح حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:

1- أن الحشر إذا أُطلق في عرف الشرع؛ إنما يُراد به الحشر من القبور؛ ما لم يخصه دليلٌ.

2- أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام؛ لأن المهاجر لا بد أن تكون راغبًا أو راهبًا أو جامعًا بين الصفتين.

3- أن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لات تفارقهم: قولٌ لم يرد به التوفيق، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدُّنيا على أهل الشقوة من غير توقيف.

4- أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن عل بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: " ثلاثًا على الدواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم "، وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: " وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً " [الواقعة: 7] (انظر: فتح الباري).

والإجابة عما احتجوا به يتلخص فيما يأتي:

1- أن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.

2- أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث؛ فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر ويسرة من الزاد راغبًا فيما يستقبله راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأول من الحديث، ومَن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف

الثاني، والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة.

3- أنه تبيَّن من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج في الدُّنيا، أنذر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.

4- أن الحديث الذي احتجُّوا به من رواية على بن زيد- وهو مختلف في توثيقه – لا يخالف الأحاديث التي بيَّنتُ أن هذا الحشر في الدُّنيا، وقد وقع في حديث على بن زيد المذكور عند الإمام أحمد (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، أكمله د.

الحسيني عبد المجيد هاشم، وذكر أن إسناده حسن، ولكن الحافظ ابن حجر ضعف راويه علي بن زيد بن جدعان،انظر: " فتح الباري) أنهم: " يتَّقون بوجوههم كل حدب وشوك وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها ولا أكمة ولا حدب ولا شوك " (انظر: فتح الباري).

قال النووي: " قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدُّنيا قبيل القيام، وقبيل النفخ في الصور؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: تحشر بقيتهم النار؛ تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي " (شرح النووي لمسلم).

وقال الحافظ ابن كثير – بعد ذكره للأحاديث الواردة في خروج النار مبينًا أن هذا الحشر في الدُّنيا -: " فهذا السياقات تدلُّ على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدُّنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي الأرض الشام.

.

وهذا كله مما يدلُّ على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موتٌ، ولا ظهرٌ يُشترى، ولا أكل، ولا شرب، ولا لبس في العرصات " (النهاية/ الفتن والملاحم).

وأما حشر الآخرة؛ فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلا (غرلا: جمع أغرل، وهو الأقلف، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر) بهما (بهما: حمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالطه لون سواه، والمعنى: ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا) ففي الصحيح عن ابن عباس؛ قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه " [الأنبياء: 104] وإن أول الخلق يُكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل " (صحيح البخاري).

قال ابن حجر: " ومن أين للذين يُبعَثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعوها في الشوارف " (فتح الباري).

فدلَّ هذا على أن هذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، ومَن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق، والله تعالى أعلم.
**********************







" من أشراط السَّاعة الكبرى: يأجوج ومأجوج "

* أصلهم:

قبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرف على أصلهم، وما ذا يعني لفظ (يأجوج) و(مأجوج)؟

يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان.

وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النار أجيجًا: إذا التهبت، أو من الأجاج: وهو الماء الشديد الملوحة المحرق من ملوحته.

وقيل عن الأج: وهو سرعة العدو، وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب.

وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج) أو على وزن فاعول فيهما.

هذا إذا كان الاسمان عربيين، أما إذا كانا أعجميين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجميَّة لا تُشتَقُّ من العربية.

وقرأ الجمهور " ياجوج " وماجوج " ؛بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و(مجج)، وأما قراءة عاصم؛ فهي الهمزة الساكنة فيهما.

وكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " [الكهف: 99] وذلك عند خروجهم من السد (انظر: لسان العرب).

وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء عليهما السلام.

وقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء (انظر: " فتاوى الإمام النووي " المسمى " المسائل المنثورة)، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج.

وهذا مما لا دليل عليه، ولم يرد عمَّن يجب قبول قوله(انظر: النهاية/ الفتن والملاحم).

قال ابن حجر: " ولم نر هذا عند أحدٍ من السلف؛ إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع: أنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا " (فتح الباري).

ويأجوج ومأجوج من ذرِّيَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح عليه السلام (انظر: النهاية/ الفتن والملاحم).

والذي يدلُّ على أنهم من ذرِّيَّة آدم عليه السلام ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى: يا آدم ! فيقول: لبيلك وسعديك، والخير في يديك،فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد " قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: " أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف " (صحيح البخاري).

* صفتُهُم:

أما صفتهم التي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنهم يُشبِهون أبناء جنسهم من التُّرك الغتم (الغتمة: عجمة في المنطق.

ورجل أغتم وغتمى: لا يفصح شيئًا.

لسان العرب) المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطرَقة، على أشكال الترك وألوانهم (انظر: النهاية/ الفتن والملاحم).

روى الإمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: " إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شهب الشعاف (جمع شعفة وهي أعلى شعر الرأس، والمراد: شهب الشعور) من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطرَقة " (مسند الإمام أحمد).

وقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة، ومما جاء في هذه الآثار أنهم ثلاثة أصناف:

1- صنف أجسادهم كالأرز، وهو شجر كبار جدًا.

2- وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع.

3- وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى.

وجاء أيضًا أن طولهم شبر وشبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار (انظر: " تح الباري.

وقد أنكر ابن كثير هذه الصفات، وقال: إن من زعم أن هذه صفاتهم؛ " فقد تكلف ما لا علم له به "، وقال: " ما لا دليل عليه ".

النهاية/ الفتن والملاحم).

والذي تدلُّ عليه الروايات الصحيحة أنهم رجالٌ أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ويبعد أن يكون طول أحدهم شبر وشبرين.

ففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى عليه السلام بخروج يأجوج ومأجوج، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم، فيقول له: " حرز عبادي إلى الطور ".

كما سيأتي ذكر ذلك في الكلام على خروجهم بإذن الله تعالى.

.

* أدَّلة خروج يأجوج ومأجوج:

خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان علامة من علامات السَّاعة الكبرى وقد دل على ظهورهم الكتاب والسنة:

أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:

1- قال الله تعالى " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) " [الأنبياء: 96، 97].

2- وقال تعالى في سياقه لقصة ذي القرنين: " ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) " [الكهف: 92- 99].

فهذه الآيات تدلُّ على أن الله تعالى سخر ذا القرنين (اختلف في اسمه، فروي عن ابن عباس أن اسمه: عبد الله بن الضحاك بن معد.

وقيل: مصعب بن عبد الله بن قنان من الأزد، ثم من قحطان، وقيل: غير ذلك.

وسمي بذي القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشيطان ويغرب، وقيل: غير ذلك، وكان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وهو غير ذي القرنين الإسكندر المقدوني المصري؛ فإن هذا كان كافرًا، وهو متأخر عن المذكور في القرآن وبينهما أكثر من ألفي سنة،انظر: البداية والنهاية، وتفسير ابن كثير " الملك الصالح لبناء السد العظيم؛ ليحجز بين يأجوج ومأجوج القوم المفسدين في الأرض وبين الناس، فإذا جاء الوقت المعلوم، واقتربت السَّاعة؛ اندك هذا السد، وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة، وجمع كبير، لا يقف أمامه أحد من البشر، فماجوا في الناس، وعاثوا في الأرض فسادًا.

وهذا علامة علامة قرب النفخ في الصور، وخراب الدُّنيا، وقيام السَّاعة (انظر: الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي) كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة.

ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:

الأحاديث الدالَّة على ظهور يأجوج ومأجوج كثيرة، تبلغ حد التواتر المعنوي، سبق ذكر بعض منها، وسأذكر هنا طرفًا من هذه الأحاديث:

1- فمنها ما ثبت في " الصحيحين " عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يومًا فزعًا يقول: " لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرِّ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها) " قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله ! أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

2- ومنها ما جاء في حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه وفيه: " إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادًا لي لا يَدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون (هو كل موضع غليظ مرتفع) فيمر أولئك على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصَرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَّغَف (دود يكون في أنوف الإبل والغنم) في رقابهم، فيصبحون فرسى (قتلى) كموت نفسٍ واحدةٍ، ثم يُهبَطُ بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمُهم ونَتَنُهم،

فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت(هي جمال طوال الأعناق) فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله " (صحيح مسلم).

رواه مسلم، وزاد في رواية – بعد قوله: " لقد كان بهذه مرة ماء " -: " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر (الشجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد جاء تفسيره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس) وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم (يطلق على النبل والسهام) إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا " (صحيح مسلم).

3- وجاء في حديث حذيفة بن أسيد رضى الله عنه في ذكر أشراط السَّاعة، فذكر منها: " يأجوج ومأجوج " (صحيح مسلم).

4- وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذكروا السَّاعة.

إلى أن قال: " فردوا الحديث إلى عيسى (فذكر قتل الدَّجَّال، ثم قال): ثم يرجع الناس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، " وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ " [الأنبياء: 96] لا يمرون بماء إلا شربوه، ولا بشيء إلا أفسدوه، يجأرون إلي فأدعو الله، فيميتهم، فتجوى الأرض من ريحهم، فيجأرون إليَّ، فأدعوا الله، فيرسل السماء بالماء، فيحملهم، فيقذف بأجسامهم في البحر " (رواه الإمام أحمد في " المسند " تحقيق أحمد شاكر، وقال: " إسناده صحيح " وقال الألباني: " ضعيف ".

انظر: " ضعيف الجامع الصغير ".

قلت: الشواهد من الأحاديث ترجح أنه صحيح.

والله أعلم).

5- وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فذكر الحديث، وفيه): " ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويفر الناس منهم، فيرمون سهامهم في السماء، فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا من في السماء قوة وعلوًا " قال: " فيبعث الله عليه السلام عليهم نَغَفًا في أقفائهم " قال: " فيهلكهم، والذي نفس محمد بيده؛ إن دوابَّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتشكر شكرًا (إذا سمنتع وامتلأ ضرعها لبناَ، والمعنى أن دواب الأرض تسمن وتمتلئ شحمًا) وتسكر سكرًا (الخمر، ويطلق السكر على الغضب والإمتلاء ) من لحومهم " (صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير).

* سدُّ يأجوج ومأجوج:

بنى ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم.

كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم: " قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) " [الكهف: 94، 95].

هذا ما جاء في الكلام على بناء السد، أما مكانه؛ ففي جهة المشرق (انظر: " تفسير ابن كثير) لقوله تعالى: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ " [الكهف: 90].

ولا يُعرَف مكان هذا السد بالتحدي، وقد حاول بعض الملوك والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك أن الخليفة الواثق (هو الخليفة العباسي هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد) بعث بعض أمرائه ووجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك وأن عنده حراسًا من الملوك المتاخمة له، وأنه منيفٌ شاهقٌ، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب " (تفسير ابن كثير).

وهذه القصة ذكرها ابن كثير رحمه الله في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك.

والذي تدلُّ عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛: لقوله تعالى: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ " [الكهف: 93]، والسدان: هما جبلان متقابلان، ثم قال: " حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ " [الكهف: 96] أي: حاذى به رؤوس الجبلين (انظر: " تفسير ابن كثير) وذلك بزبر الحديد، ثم أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدّاً محكمًا.

قال الإمام البخاري: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: رأيت السد من البر المحبر، قال: " قد رأيته " (رواه البخاري معلقًا في صحيحه).

وقال سيد قطب: " كُشِف سدُّ بمقربة من مدينة (ترمذ) (قال ياقوت: " مدينة مشهورة من أمهات المدن، راكبة على نهر جيحون، من جانبه الشرقي، يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإمام أبو عيسى الترمذي صاحب " الجامع الصحيح " و " العلل ".

" معجم البلدان) عُرف بـ (باب الحديد) قد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الإسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (1403م) وقال: سد مدينة باب الحديد على طريق سمرقند والهند.

.

وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين " (تفسير الظلال).

قلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الذي ذكره ياقوت الحموي في " معجم البلدان " وليس هو سد ذي القرنين.

وأيضًا؛ فإنه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السَّاعة؛ كما قال تعالى: " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) " [الكهف: 98، 99].

والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في السد؛ قال: " يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه قال: فيعيده الله عز وجل كأشدَّ ما كان، حتى إذا بلغوا مدَّتَهم ، وأراد الله أن يبعثهم على الناس ؛ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى، قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويفرُّ الناس منهم " (رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير).

والذي جاء في حديث " الصحيحين " – كما سبق – أنه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

ويرى الأستاذ سيد قطب رحمه الله من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَدِّ قد وقع، وأنه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا (انظر: في ظلال القرآن).

وفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: " وقد خرج منهم – أي: الترك – في هذا الوقت أممُ لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم " (تفسير القرطبي).

وكان ظهور هؤلا التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من الفساد والقتل، فظنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم.

ولكن الذي هو من أشراط السَّاعة الكبرى- وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان – لم يقع بعد؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى عليه السلام، وأنه هو الذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثم يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.
********







تابع " من أشراط السَّاعة الكبرى: المسيح الدَّجاَّل "

* هل الدجال حي؟ وهل كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟

وقبل الجواب عن هذين السؤالين لا بد من معرفة حال ابن صياد؛ هل هو الدجال أو غيره؟

وإذا كان الدجال غير ابن صياد؛ فهل هو موجود قبل أن يظهر بفتنته أو لا؟

وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة نعرف بابن صياد:

* ابن صياد:

اسمه هو صافي – وقيل: عبد الله – بن صياد أو صائد (انظر: " فتح الباري).

كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

وذكر ابن كثير أنه أسلم، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين، روى عنه الإمام مالك وغيره (انظر: " النهاية/ الفتن والملاحم).

وترجم له الذهبي في كتابه " تجريد أسماء الصحابة " فقال: " عبد الله بن صياد، أورده ابن شاهين وقال: هو ابن صائد، كان أبوه يهوديًا، فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الذي قيل: إنه الدجال، ثم أسلم، فهو تابعي، له رؤية " (تجريد أسماء الصحابة).

وترجم له الحافظ ابن حجر في " الإصابة " فذكر ما قاله الذهبي، ثم قال: " ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد، وكان من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره ".

ثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد؛ كما سيأتي ذكرها فيما بعد.

ثم قال: " وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة؛ لأنه إن كان الدجال؛ فليس بصحابي قطعًا؛ لأنه يموت كافرًا، وإن كان غيره؛ فهو حال لقيه النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مسلمًا " (تهذيب التهذيب).

لكن إن أسلم بعد ذلك؛ فهو تابعي له رؤية؛ كما قال الذهبي.

* أحواله:

كان ابن صياد دجالًا، وكان يتكهن أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال؛ كما سيأتي في ذكر امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له.

* امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له:

لما شاع بين الناس أمر ابن صياد، وأنه هو الدجال؛ أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلع على أمره، ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفيًا حتى لا يشعر به ابن صياد؛ رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته.

ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رقط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم (بناء مرتفع كالحصن) بن مغالة (بطن من الأنصار) وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله؟ " فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، وقال: " آمنت بالله وبرسله " فقال له: " ما ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خلط عليك الأمر " ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إني خبأت لك خبيئًا؟ " فقال ابن صياد: هو الدخ (يريد الدخان لكنه قطمها على طريقة الكهان) فقال: " اخسأ فلن تعدو قدرك " فقال عمر رضى الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله " (صحيح البخاري).

وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ما ترى؟ " قال: أرى عرشًا على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ " قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبس عليه، دعوه " (صحيح مسلم).

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع – يعني: في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة - فرأت أم ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف – وهو اسم ابن صياد -! هذا محمد صلى الله عليه وسلم، فثار ابن صياد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو تركته بين " (صحيح البخاري).

وقال أبو ذر رضى الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني إلى أمه؛ قال: " سلها كم حملت به؟ " فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا.

قال: ثم أرسلني إليها، فقال: " سلها عن صيحته حين وقع؟ " قال: فرجعت إليها، فسألتها، فقال: صاح صيحة الصبي ابن شهر، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني قد خبأت لك خبئًا " قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدُّخان، قال: فأراد أن يقول الدُّخان، فلم يستطع فقال: الدخ، الدخ (مسند أحمد، بهامشه منتخب الكنز) قال ابن حجر في سنده: " صحيح ".

فتح الباري).

فامتحان النبي صلى الله عليه وسلم له بـ(الدُّخان) ليتعرف على حقيقة أمره.

والمراد بالدُّخان هنا قوله تعالى: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " [الدُّخان: 10] فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإمام أحمد: " إني قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له: " يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ " (مسند أحمد " تحقيق أحمد شاكر، وقال: " إسناده صحيح).

قال ابن كثير: " إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهان، بلسان الجان، وهم يقرطو – أي: يقطعون – العبارة، ولهذا قال: هو الدخ؛ يعني: الدُّخان، فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادته، وأنها شيطانية، فقال له: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) " (تفسير ابن كثير).

* وفاته:

عن جابر رضى الله عنه قال: " فقدنا ابن صياد يوم الحرة " (سنن أبي داود – مع عون المعبود).

وقد صحح ابن حجر هذه الرواية، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة، وأنه كشفوا عن وجهه، وصلوا عليه (انظر: " فتح الباري).

* هل ابن صيَّاد هو الدَّجَّال الأكبر؟

مضى في الكلام على أحوال ابن صياد وامتحان النبي صلى الله عليه وسلم له ما يدلُّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متوقفًا في أمر ابن صياد؛ لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره.

وكان عمر رضى الله عنه يحلف عند النبي صلى الله عليه وسلم أن ابن صياد هو الدجال، ولم ينكر عليه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان بعض الصحابة رضى الله عنه يرى رأي عمر، ويحلف أن ابن صياد هو الدجال؛ كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر.

ففي الحديث عن محمدبن المنكدر قال: " رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدجال، قلت: تحلف بالله، قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

وعن نافع قال: " كان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد " (سنن أبي داود.

قال ابن حجر: " سنده صحيح ".

" فتح الباري).

وعن زيد بن وهب قال: " قال أبو ذر رضى الله عنه: لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به " (رواه الإمام أحمد).

وعن ناف؛ قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله ! ما أردت ن ابن صائد؟! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما يخرج من غضبةٍ يغضبها " (صحيح مسلم) ؟!

وفي رواية عن نافع قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين؛ قال: فلقيته، فقلت لعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله، قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته، قال: فلقيته مرة أخرى وقد نفرت عينيه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه،قال: فنخر كأشد نخير حار سمعت، قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت، قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟! ألم تعلم أنه قد قال: " إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه " (صحيح مسلم).

وكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه، فيتأذى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال، ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من صفات الدجال لا تنطبق عليه.

ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: " خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد، قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق، فجاء بعس (وهو القدح الكبير) فقال: اشرب أبا سعيد ! فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذ عن يده، فقال: أبا سعيد ! لقد هممت أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد ! من خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو كافر، وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو عقيم لا يولد لهـ وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن، قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم " (صحيح مسلم).

وقال ابن صياد في رواية: " أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه، قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ فقال: لو عرض على ما كرهت " (صحيح مسلم).

وهناك بعض الروايات التي جاءت في شأن ابن صياد، تركت ذكرها هنا خشية الإطالة، ولأن بعض المحققين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردوها لضعف أسانيدها (انظر: النهاية).

وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد، وأشكل عليهم أمره:

فمن قائل: إنه الدجال، ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصحابة رضى اله عنهم على أنه الدجال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد رضى الله عنم.

وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الداري رضى الله عنه، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله:

روى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي - شعب همدان – أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس- وكانت من المهاجرات الأول – فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستنديه إلى أحد غيره، فقالت: لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل؛ حدثيني، فذكرت قصة تأيمها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثم قالت: فلما انقضت عدتي؛ سمعت نداء المنادي منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاة "، ثم قال: " أتدرون لم جمعتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا رهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداريكان رجلًا نصرانيًا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا (أرفأت السفينة إذا قربتها من الشط، والموضع الذي تشد فيه: المرفأ) إلى جزيرة في البحر، حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب (سفن صغار تكون مع السفن الكبار السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم ! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلًا؛ فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم (أي: هاج واضطرمت أمواجه) فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة، قال: أخبروني عن نخل بيسان (مدينة بالأردن بالغور الشامي) ؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر، قال: أخبروني عن بحيرة طبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها،قال: أخبروني عن نبي الأميين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة – أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب (هو الطريق بين الجبلين) منها ملائكة يحرسونها ".

قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وطعن بمخصرته (هي ما يختصره الإنسان بيده، فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكئ عليه) في المنبر -: " هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ " فقال الناس: نعم " فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق " قالت: فحفظت هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم).

قال ابن حجر: " وقد توهم بعضهم أنه – أي: حديث فاطمة بنت قيس – غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر " (فتح الباري) رضى الله عنهم.

* أقوال العلماء في ابن صيَّاد:

قال أبو عبد الله القرطبي: " الصحيح أن ابن صياد هو الدجال؛ بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر (التذكرة).

وقال النووي: " قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.

قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان فيث ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر رضى الله عنه: " إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله ".

وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.

ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟! ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخ حتى ملأ السكة.

وأما إظهاره الإسلام، وحجه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنه غير الدجال " (شرح النووي لمسلم).

وكلام النووي هذا يفهم منه أنه يرجح كون ابن صياد هو الدجال.

وقال الشوكاني: " اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره، حتى قيل فيه كل قول، وظاهر الحديث المذكور أن النبي شرح النووي لمسلم كان مترددًا في كونه الدجال أم لا؟.

.

وقد أجيب عن التردد منه شرح النووي لمسلم بجوابين:

الأول: أنه تردد شرح النووي لمسلم قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال، فلما أعلمه؛ لم ينكر على عمر حلفه.

الثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك، وإن لم يكن في الخبر شك.

ومما يدلُّ على أنه هو الدجال ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " لقيت ابن صياد يومًا – ومعه رجل من اليهود – فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها؛ قلت: أنشدك الله يا ابن صياد ! متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن، قلت: كذبت وهي في رأسك، قال: فمسحها ونخر ثلاثًا " (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار " للشوكاني).

وقد سبق ذكر نحو هذه القصة من رواية الإمام مسلم.

والذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدجال الأكبر.

وقال البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم: " فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.

وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا؛ فالجمع بينهما بعيد جدًا، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله؛ أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم هل خرج أو لا؟! فالأول أن يحمل على عدم الاطلاع.

أما عمر؛ فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لما سمعها؛ لم يعد إلى الحلف المذكور.

وأما جابر؛ فشهد حلفه عند النبي صلى الله عليه وسلم، فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم " (فتح الباري).

قلت: لكن جابر رضى الله عنه كان من رواة حديث تميم؛ كما جاء في رواية أبي داود، حيث ذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، ثم قال ابن أبي سلمة: " إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته؛ قال: شهد جابر أنه هو ابن صائد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة " (سنن أبي داود "، كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة، مع عون المعبود) قال ابن حجر على هذا الحديث: " ا بن أبي سلمة اسمه عمر فيه مقال، ولكن حديثه حسن، ويتعقب به على من زعم أن جابرًا لم يطلع على قصة تميم " فتح الباري).

فجابر رضى الله عنه مصر على أن ابن صيَّاد هو الدجال، وإن قيل: إنه أسلم، ودخل المدينة، ومات.

وقد تقدم أنه صح عن جابر رضى الله عنه أنه قال: " فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرة ".

وقال ابن حجر: " أخرج أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " (ذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم) ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لم منهم؟ فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرت، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتى السَّاعة " (فتح الباري).

قال ابن حجر: " ولا يلتئم خبر جاب هذا (أي: فقدهم لابن صياد يوم الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر؛ كما أخرجه أبو نعيم في " تاريخها " وبين قتل عمل ووقعة الحرة نحو أربعين سنة.

ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: " لما افتتحنا أصبهان " محذوفًا تقديره: صرت أتعاهدها، وأتردد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صيَّاد " (فتح الباري).

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية " أمرابن صياد قد أشكل على بعض الصحابة، فظنوه الدجال، وتوقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، وإنما هو من جنس الكهان أصحاب الأحوال الشيطانية، ولذلك كان يذهب ليختبره (انظر: " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان).

وقال ابن كثير: والمقصود أن ابن صيَّاد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان فطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام " ([النهاية).

هذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صياد، وهي – كما ترى - متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كل دليله.

ولهذا فقد اجتهد الحافظ انب حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: " أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًاُ، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، ولشدة التباس الأمر في ذلك؛ سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صيَّاد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم " (فتح الباري).

**********






" من أشراط السَّاعة الكبرى: نزول عيسى عليه السلام "

قبل أن نتحدَّث عن نزول عيسى بن مريم عليه السلام يحسُنُ بنا أن نتعرَّف على صفته التي وردت بها النَّصوص الشرعية.

* صفة عيسى عليه السلام:

صفته التي جاءت بها الروايات أنه رجلٌ، مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعدٌ، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس – أي: حمام – له لِمَّة (شعر الرأس) قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه.

الأحاديث الواردة في ذلك:

منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليلة أسري بي لقيتُ موسى.

.

(فنعته إلى أن قال): ولقيتُ عيسى.

.

(فنعتهُ فقال): ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس (يعني: الحمام) " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى؛ فأحمر جعد عريض الصدر " (صحيح البخاري).

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني.

.

(فذكر الحديث، وفيه): وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي ".

وفي الصحيحين عن عبد اله بن عمر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم(هو الأسمر الشديد السمرة) كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماء، متكئًا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

وفي رواية للبخاري عن ابن عمر قال: " لا والله؛ ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر، ولكن قال: (فذكر تمام الحديث بنحو الرواية السابقة) " (صحيح البخاري).

وفي رواية لمسلم عنه رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " فإذا رجل آدم.

.

(إلى أن قال): رجل الشعر " (صحيح مسلم).

والجمع بين هذه الروايات من كونه في بعضها أحمر، وبعضها آدم، وما جاء أنه سبط الشعر، وفي بعضها بأنه جعد: إنه لا منافاة بين الحمرة والأدمة؛ لجواز أن تكون أدمته صافية (الإشاعة).

وأما ما جاء من إنكار ابن عمر لرواية أن عيسى أحمر؛ فهو مخالف لما حفظه غيره، فقد روى أبو هريرة وابن عباس رضى الله عنهم أنه عليه السلام أحمر اللون.

وأما كونه في رواية سبط الشعر، وفي أخرى أنه جعد، والجعد ضد السبط، فيمكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر، وأما وصفه بأنه جعد؛ فالمراد بذلك جعودة في جسمه لا شعره، وهو اجتماع اللحم واكتنازه (انظر: فتح الباري).

* صفة نزوله عليه السلام:

بعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى عليه السلام فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان (أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه.

ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة.

قال ابن كثير: " هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنار البيضاء الشرقية بدمش، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ.

.

وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقية، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله ! تقدم، فيقول: تقدم أنت؛ فإنه أقيمت لك، وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (صحيح مسلم) (النهاية).

وذكر ابن كثير أنه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الذين حرقوا المنارة التي كانت مكانها، ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث قيض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قتل، وكذلك غيرهم من الكفار (انظر: النهاية).

ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثم نزول عيسى عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم: " إذا بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه – أي: يطلب الدَّجَّال – حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة " (صحيح مسلم).

* أدلة نزوله عليه السلام:

نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ثابت في الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السَّاعة الكبرى.

أ- أدلة نزوله من القرآن الكريم:

1- قال الله تعالى: " وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) " إلى قوله تعالى: " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " [الزخرف: 57- 61].

فهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى عليه السلام وجاء في آخرها قوله تعالى: " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " [الزخرف: 61] أي: نزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة علامة على قرب السَّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " بفتح العين واللام " أي: علامة وأمارة على قيام السَّاعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير " (تفسير القرطبي وانظر: تفسير الطبري).

وروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " قال: " هو خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة " (مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح).

وقال الحافظ ابن كثير: " الصحيح أنه – أي: الضمير – عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره " (تفسير ابن كثير).

واستبعد أن يكون معنى الآية: ما بعث به عيسى عليه السلام من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.

وأبعد من ذلك ما روي عن بعض العلماء أن الضمير في " وَإِنَّهُ " عائد على القرآن الكريم (انظر: تفسير ابن كثير).

2- وقال تعالى: " وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُم " إلى قوله تعالى: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) " [النساء: 157- 159].

فهذه الآيات؛ كما أنها تدلُّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى عليه السلام ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السماء؛ كما في قوله تعالى: " إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ " [آل عمران: 55].

فإنها تدلُّ على أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى عليه السلام آخر الزمان، وذلك عند نزوله وقبل وموته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وجه إليه عن وفاة عيسى ورفعه: " الحمد لله، عيسى عليه السلام حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإماماَ مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضعه الجزية (انظر كلام الشيخ محمد عبده في: تفسير المنار) وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدَّجَّال، ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره.

وأما قوله تعالى: " إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا " [آل عمران: 55] فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: " وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا " ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.

وقد قال تعالى في الآية الأخرى: " وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ " [النساء: 157-158] فقوله هنا: " بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وا صلبوه، بل مات.

.

ولهذا قال من قال من العلماء: إني متوفيك؛ أيك قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.

ولفظ (التوفي) لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إلا بقرينة منفصلة.

وقد ير اد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: " اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا " [الزمر: 42]، وقوله: " هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ " [الأنعام: 60] وقوله: " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا " [الأنعام: 61] " (مجموع الفتاوى).

وليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى عليه السلام وإنما جاء ذكر ذلك لبيان أنه رفع ببدنه وروحه، وأنه حي الآن في السماء، وسينزل في آخر الزمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ " [النساء: 159].

قال ابن جرير: " حدثنا ابن بشار؛ قال: حدثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ " قال: قبل موت عيسى بن مريم " (تفسير الطبري).

قال ابن كثير: " وهذا إسناد صحيح " (النهاية).

ثم قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: " وأولى الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى " (تفسير الطبري).

وروى بسنده عن الحسن البصري أنه قال: " قبل موت عيسى، والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون " (تفسير الطبري).

وقال ابن كثير: " ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفع إليه، وإنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة " (تفسير ابن كثير).

وذكر أنه روي عن ابن عباس وغيره أنه أعاد الضمير في قوله: " قَبْلَ مَوْتِهِ " على أهل الكتاب، وقال: " إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه " (لنهاية).

ب- أدلة نزوله من السنة المطهرة:

الأدلَّة من السنة على نزول عيسى عليه السلام كثيرة ومتواترة، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإطالة:

1- فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها ".

ثم يقول أبو هريرة: " واقرؤوا إن شئتم: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

وهذا تفسير من أبي هريرة رضى الله عنه لهذه الآية بأن المراد بها أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى عليه السلام قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزمان؛ كما سبق بيانه.

2- وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف أنتم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! " (صحيح البخاري).

3- وروى مسلم عن جابر رضى الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمه الله هذه الأمة " (صحيح مسلم).

4- وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، وفيه: " ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم " (صحيح مسلم).

5- وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه " (مسند أحمد بهامشه منتخب الكنز) والحديث صحيح.

انظر: هامش " عمدة التفسير " تحقيق الشيخ أحمد شاكر.

وصدر هذا الحديث رواه: البخاري (مع الفتح)، ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي).







تابع " من أشراط السَّاعة الكبرى: نزول عيسى عليه السلام "

* الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام متواترة:

ذكرت فيما سبق بعض الأحادي الواردة في نزول عيسى عليه السلام ولم أذكر جميع الأحاديث الواردة في نزوله؛ خشية أن يطول البحث، وقد جاءت هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد وغيره من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها (انظر كتاب: الفتاوى للشيخ محمود شلتوت) لأنه إذا ثبت الحديث؛ وجب الإيمان به، وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لنا رد قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية، سبق أن عقدت فصلا في أول هذا البحث بيَّنتُ فيه أن حديث الآحاد إذا صح؛ وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نرد كثيرًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون ما قاله عليه الصلاة والسلام عبثًا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام؟!

وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:

قال ابن جرير الطبري – بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى-: " وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: " معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إلى " لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال " (تفسير الطبري).

ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.

وقال ابن كثير: " تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا " تفسير ابن كثير).

ثم ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله.

وقال صديق حسن: " الأحاديث في نزوله عليه السلام كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدَّجَّال.

.

ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك ".

ثم ساقها وقال: " جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع " (الإذاعة).

وقال الغماري: " وقد ثبت القول بنزول عيسى عليه السلام من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا " (عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام).

وقال: " تواتر هذا تواترًا لا شك فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع، حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترًا بتلقي جيل عن جيل " (عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسىعليه السلام).

وقد ذكر من رواه من الصحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًا، ثم رواه تابعو التابعين بأكثر من هذا العدد.

.

وهكذا حتى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ " مسند " الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، والإسماعيلين والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.

وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري في كتابه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح " فذكر أكثر من سبعين حديثًا وقال صاحب " عون المعبود شرح سنن أبي داود ": " تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السَّاعة، وهذا هو مذهب أهل السنة " (عون المعبود).

وقال الشيخ أحمد شاكر: " نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره " (من حاشية " تفسير الطبري).

وقال في تعليقه على " مسند الإمام أحمد ": " وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى! ذلك أنهم – في حقيقة أمرهم – لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل " (حاشية مسند الإمام أحمد).

وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: " اعلم أن أحاديث الدَّجَّال ونزول عيسى عليه السلام متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تعتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر.

ومن المؤسف حقًا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة " (حاشية شرح العقيدة الطحاوية).

ونزول عيسى عليه السلام ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه ينزل لقتل الدَّجَّال قبحه الله.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: " أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ".

ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة، ثم قال: " والإيمان أن المسيح الدَّجَّال خارج مكتوب بين عينيه (كافر) والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد " (طبقات الحنابلة).

وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة: " الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئًا.

.

ويصدقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله ".

ثم قال في آخر كلامه:

" وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب " (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).

وقال الطحاوي: " ونؤمن بأشراط السَّاعة؛ من خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء " (شرح العقيدة الطحاوية).

وقال القاضي عياض: " نزول عيسى وقتله الدَّجَّال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العق ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته " (شرح صحيح مسلم).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والمسيح صلى الله عليه وسلم وعلى سائر ا لنبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض.

.

كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأن نسم بنيه تعرض عليه " (مجموع الفتاوى).

* الحكمة في نزول عيسى عليه السلام دون غيره:

تلمس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدة أقوال:

1- الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدَّجَّال، كما سبق بيان ذلك في الكلام على قتال اليهود.

ورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (فتح الباري).

2- إن عيسى عليه السلام وجد في الإنجيل فضل أمة محمد كما في قوله تعالى: " وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ " [الفتح: 29]، فدعا الله أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام.

قال الإمام مالك رحمه الله: " بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا " (تفسير ابن كثير).

وقال ابن كثير: " وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة والأخبار المتداولة " (تفسير ابن كثير).

وقد ترجم الإمام الذهبي لعيسى عليه السلام في كتابه " تجريد أسماء الصحابة " فقال: " عيسى ابن مريم عليه السلام: صحابي، ونبي؛ فإنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو آخر الصحابة موتًا " (تجريد أسماء الصحابة).

3- إن نزول عيسى عليه السلام من السماء؛ لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى عليه السلام.

4- إنه ينزل مكذبًا للنصارى، فيظهر زيفهم في دعواهم ا لأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام؛ فإنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.

5- إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخص الناس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به (انظر: المنهاج في شعب الإيمان) كما في قوله تعالى: " وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ " [الصف: 6] وفي الحديث: قالوا: يا رسول الله ! أخبرنا عن نفسك؟ قال: " نعم؛ أنا دعوة أبي أبراهيم وبشرى أخي عيسى " (رواه ابن إسحاق في " لسيرة ".

انظر: " تهذيب سيرة ابن هشام،لعبد السلام هارون، طبعة المجمع العلمي العربي الإسلامي، منشورات محمد الداية، بيروت.

قال ابن كثير في إسناده: " هذا إسناد جيد "، وروى له شواهد من وجوه أخر، رواها الإمام أحمد في المسند،تفسير ابن كثير ومسند الإمام أحمد بهامشه منتخب الكنز).

* بماذا يحكم عيسى عليه السلام ؟

يحكم عيسى عليه السلام بالشريعة المحمدية، ويكون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينزل بشرع جديد؛ لأن دين الإسلام خاتم الأديان، وباقٍ إلى قيام السَّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى عليه السلام حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجددًا لأمر الإسلام، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم؟! " فقلت (القائل الوليد بن مسلم) لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: " وإمامكم منكم " قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم).

وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة " قال: " فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة " (صحيح مسلم).

قال القرطبي: " ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى عليه السلام يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولاَ إلى أهل ذلك الزمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمد) أمر مردود بقوله تعالى: " وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ " [الأحزاب: 40]، وقوله عليه الصلاة والسلام: " لا نبي بعدي " (صحيح مسلم) وقوله: " وأنا العاقب " (صحيح البخاري) يريد آخر الأنبياء وخاتهم.

وإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيًا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم بل إذا نزل؛ فإنه يكون يومئذٍ من أتباع محمدصلى الله عليه وسلم كما أخبر صلى الله عليه وسلم حيث قال لعمر: " لو كان موسى حيًا؛ ما وسعه إلا اتباعي " (مسند الإمام أحمد بهامشه منتخب الكنز) فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكمونه على أنفسهم.

.

ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدُّنيا إنما يكون بقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله " (التذكرة).

والذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى عليه السلام صلاته مع المسلمين، وحجه، وجهاده للكفار.

فأما صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك.

وكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال.

وأما حجه؛ ففي " صحيح مسلم " عن حنظلة الأسلمي قال: سمعت أبي هريرة رضى الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مرمي بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليثنينهما " (صحيح مسلم ) أي: يجمع بين الحج والعمرة.

وأما وضع عيسى للجزية عن الكفار – مع أنها مشروعة في الإسلام قبل نزوله عليه السلام - فليس هذا ناسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيد بنزول عيسى عليه السلام بأخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو المبين للنسخ (انظر: فتح الباري) بقوله لنا: " والله لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليسكرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية " (صحيح مسلم).

* انتشار الأمن وظهور البركات في عهده عليه السلام:

وزمن عيسى عليه السلام زمن أمن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر العزيز، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد.

فقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى عليه السلام ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: " ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (روي بفتح الزاي واللام والقاف وروي بالفاء، وكلها صحيحة، ومعناه كالمرآة شبه الأرض بها لصفائها ونظافتها) ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل (بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن) حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس " (صحيح مسلم).

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والأنبياء إخوة لعلات(الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد؛ أي: أن إيمان الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة) أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل.

.

فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم " ( مسند أحمد " (بهامشه منتخب الكنز) قال ابن حجر: " سنده صحيح ".

" فتح الباري).

وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله لينزلن عيسى بن مريم حكمًا وعادلًا.

وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص(بكسر القاف، جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد " (صحيح مسلم).

قال النووي: " ومعناه أن يزهد الناس فيها- أي: الإبل – ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة.

وإنما ذكرت القلاص؛ لكونها أشرف الإبل، التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله عز وجل: " وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) " [التكوير: 4] ومعنى: " لا يسعى عليها ": لا يعتنى بها " (شرح النووي لمسلم).

وذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.

وأنكر هذا القول النووي (انظر: شرح النووي لمسلم).

* مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:

وأما مدة بقاء عيسى في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.

ففي رواية الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: " فيبعث الله عيسى بن مريم.

.

ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذر ة من خير أو إيمان إلا قبضته " (صحيح مسلم).

وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود: " فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون " (مسند الإمام أحمد بهامشه منتخب الكنز) قال ابن حجر: " صحيح " و " سنن أبي داود "،كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، مع عون المعبود).

وكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل؛ إلا أن تحمل رواية السبع سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكثِه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (انظر: " النهاية) والله أعلم.
************************

********







تابع " من أشراط السَّاعة الكبرى: المسيح الدَّجاَّل " 2

* مكان خروج الدجال:

يخرج الدجال من جهة المشرق؛ من خراسان، من يهودية أصبهان، ثم يسير في الأرض، فلا يترك بلدًا إلا دخله؛ إلا مكة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما؛ لأن الملائكة تحرسهما.

ففي حديث فاطمة بنت قيس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الدجال: " ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) (صحيح مسلم).

وعن أبي بكر الصديق رضى الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدجال يخرج من أرض بالمشرق؛ يقال لها: خراسان " (صحيح الجامع الصغير).

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفًام من اليهود " ( الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد " قال ابن حجر: " صحيح ".

" فتح الباري).

قال ابن حجر: " وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا " (فتح الباري).

وقال ابن كثير: " فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية " (النهاية).

* الدجال لا يدخل مكة والمدينة:

حرم على الدجال دخول مكة والمدينة حين يخرج في آخر الزمان؛ لورود الأحاديث الصحيحة لذلك، وأما ما سوى ذلك من البلدان؛ فإن الدجال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.

جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما أن الدجال قال: " فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة (هي المدينة المنورة) فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها " (صحيح مسلم).

وثبت أيضًا أن الدجال لا يدخل أربعة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الطور والمسجد الأقصى.

روى الإمام أحمد عن جنادة بن أبي أمية الأزدي؛ قال: ذهبت أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في الدجال.

.

(فذكر الحديث، وقال): " وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ فيها كل منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى " (الفتح الرباني " - ترتيب الساعات) قال الهيثمي: " رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح ".

" مجمع الزوائد ".

وقال ابن حجر: " رجاله ثقات ".

" فتح الباري).

وأما ما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا، جعدًا، قططًا، أعور عين اليمنى، واضعًا يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فسأل عنه؟ فقالوا: إنه المسيح الدجال،فيجاب عنه بأن منع الدجال من دخول مكة والمدينة إنما يكون عند خروجه في آخر الزمان.

والله أعلم (انظر: شرح النووي لمسلم).

* أتباع الدجال:

أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس، غالبهم الأعراب والنساء.

روى مسلم عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة " (انظر: شرح النووي لمسلم).

وفي رواية للإمام أحمد: " سبعون ألفًا عليهم التيجان " (صحيح مسلم).

وجاء في حديث أبي بكر الصديق: " يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة " (الفتح الرباني ترتيب المسند،والحديث صحيح.

انظر: " فتح الباري).

قال ابن كثير: " والظاهر- والله أعلم – أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدجال " (رواه الترمذي).

قلت: وكذلك بعض الأعاجم؛ كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة: " لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر " (صحيح البخاري).

وأما كون أكثر أتباعه من الأعراب؛ فلأن الجهل غالب عليهم، ولما جاء في حديث أبي أمامة الطويل قوله صلى الله عليه وسلم: " وإن من فتنته – أي: الدجال – أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني ! اتبعه؛ فإنه ربك " (صحيح الجامع الصغير).

وأما النساء؛ فحالهن أشد من حال الأعراب؛ لسرعة تأثرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة (مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح) فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطًا؛ مخافة أن تخرج إليه " (صحيح مسلم).

* فتنة الدجال:

فتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام السَّاعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، وتحير الألباب.

فقد ورد أن معه جنة ونارًا، وجنته نار، وناره جنة، وأن معه أنهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة؛ كسرعة الغيث استدبرته الريح.

.

إلى غير ذلك من الخوارق.

وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة:

فمنها ما رواه الإمام مسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدَّجَّال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار ".

ولمسلم أيضًا عن حذيفة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأنا أعلم بما مع الدَّجَّال منه، معه نهران يجريان، أحد هما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد؛ فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض، ثم ليطأضئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنه ماء بارد " (صحيح مسلم).

وجاء في حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه في ذكر الدَّجَّال أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ! وما لبثه في الأرض؟ قال: " أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم " قالوا: وما إسراعه فيث الأرض؟ قال: " كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (هي الماشية) أطول ما كانت ذرً ا (هي الأعالي والأسمنة) وأسبغه (أي: أطوله لكثرة اللبن،انظر: شرح النووي لمسلم) ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (ذكور النحل) ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك " (صحيح مسلم).

وجاء في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن هذا الرجل الذي يقتله الدَّجَّال من خيار الناس، أوخير الناس؛ يخرج إلى الدَّجَّال من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول للدجال: " أشهد أنك الدَّجَّال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدَّجَّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته؛ هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول (أي: الرجل): والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدَّجَّال أن يقتله، فلا يسلط عليه " (صحيح البخاري).

وسبق ذكر رواية ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

.

(وفيها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدَّجَّال): " إن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني ! اتبعه؛ فإنه ربك " (صحيح الجامع الصغير).

نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن.

* الوقاية من فتنة الدَّجَّال:

أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فلم يدع صلى الله عليه وسلم خيرًا إلا دل أمته عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه، ومن جملة ما حذر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السَّاعة، وكان كل نبي ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمد صلى الله عليه وسلم بزيادة التحذير والإنذار، وقد بين الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنه خارج في هذه الأمة لا محالة؛ لأنها آخر الأمم، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.

وهذه بعض الإرشادات النبوية التي أرشد إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة التي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:

1- التمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان، ومعرفة أسماء الله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه حتى يموت، والدَّجَّال يراه الناس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.

2- التعوذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.

فمنها ما رواه الشيخان والنسائي عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال.

الحديث ".

وروى البخاري عن مصعب (هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص) قال: كان سعد يأمر بخمس ويذكرهن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بهن.

.

(منها): " وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال) " (صحيح البخاري).

" وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن الواقعة في الدُّنيا " (فتح الباري).

وروى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا تشهد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدَّجَّال " (صحيح مسلم).

وكان الإمام طاوس يأمر ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يقرأ بهذا الدعاء في صلاته (انظر: صحيح مسلم).

وهذا دليل على حرص السلف على تعليم أبنائهم هذا الدعاء العظيم.

3- حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.

ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان الطويل.

.

(وفيه قوله صلى الله عليه وسلم): " من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف " (صحيح مسلم).

وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عصم من الدَّجَّال " أي: من فتنته.

قال مسلم: " قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف (صحيح مسلم).

قال النووي: " سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: " أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا " [الكهف: 102] " (شرح النووي لمسلم).

وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.

روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين " (صحيح الجامع الصغير).

ولا شك أن سورة الكهف لها شأن عظيم، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسد العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.

فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة.

4- الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجَّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.

روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدهماء قال: سمعت عمران بن حصين يحدث؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات " (صحيح الجامع الصغير).

* ذكر الدَّجَّال في القرآن:

تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة؛ منها:

1- أنه مذكور ضمن الآيات التي ذكرت في قوله تعالى: " يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا " [الأنعام: 158].

وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.

فقد روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث إذا خرجن لاينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابة الأرض " (صحيح مسلم).

2- أن القرآن ذكر نزول عيسى عليه السلام، وعيسى هو الذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهدى عن ذكر مسيح الضلالة، وعادة العرب أنها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.

3- أنه مذكور في قوله تعالى: " لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " [غافر: 57]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.

قال أبو العالية: " أي: أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود " (تفسير القرطبي).

قال ابن حجر: " وهذا – إن ثبت – أحسن الأجوبة، فيكون من جملة، ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه، والعلم عند الله " (فتح الباري).

4- أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنه؛ لأنه يدعي الربوبية وهو بشر ينافي حاله جلال الرب وعظمته وكماله وكبريائه وتنزه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يذكر، ومع هذا حذرت الأنبياء منه، وبيَّنتُ خطره وفتنته، كما سبق أن كل نبي أنذر أمته منه، وحذرها من فتنته.

فإن اعترض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادعى الربوبية والألوهية، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذكر عبرة للناس وعظمة، وأما أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزمان، فترك ذكره امتحانًا به، مع أن ادعاءه الربوبية أظهر من أن ينبه على بطلانه؛ لأن الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذم، أحقر وأصغر من المقام الذي يدعيه، فترك الله ذكره، لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إلا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: " والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم " (صحيح البخاري).

وقد يترك ذكر الشيء لوضوحه؛ كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصديق رضى الله عنه لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصحابة رضى الله عنهم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " (صحيح مسلم).

وذكر ابن حجر رحمه الله أن السؤال عن عدم ذكر الدَّجَّال في القرآن لا يزال واردًا؛ لأن الله تعالى ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن، وفتنتهم قريقبة من فتنة الدَّجَّال (فتح الباري).

هذا؛ ولعل الجواب الأول هو الأقرب، والله أعلم، فيكون الدَّجَّال قد ذكر ضمن بعض الآيات، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم تكفل ببيان ذلك المجمل.

* هلاك الدَّجَّال:

يكون هلاك الدَّجَّال على يدي المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ويكثر أتباعه، وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤ منون، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدَّجَّال، ويكون الدَّجَّال عند نزول عيسى متوجهًا نحوم بيتع المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لد) (بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس) فإذا رآه الدَّجَّال؛ ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عليه السلام: " إن لي فيك ضربة لن تفوتني " فيتداركه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله؛ إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود (انظر: " النهاية).

وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدَّجَّال وأتباعه:

روى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج الدَّجَّال في أمتي.

.

(فذكر الحديث، وفيه): فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه " (صحيح مسلم).

وروى الإمام أحمد والترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري رضى الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يقتل ابن مريم الدَّجَّال بباب لد " (الفتح الرباني تر تيب مسند أحمد، والترمزى- مع تحفة الأحوذي).

وروى مسلم عن النواس بن سمعان رضى الله عنه حديثًا طويلًا عن الدَّجَّال.

.

(وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم): " فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتى يدركه بباب لد، فيقتله " (صحيح مسلم).

وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج الدَّجَّال في خفقة من الدين وإدبار من العلم.

.

(فذكر الحديث، وفيه): ثم ينزل عيسى بن مريم، فينادي من السحر، فيقول: أيها الناس ! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث.

فيقولون: هذا رجل جني.

فينطلقون، فإذ هم بعيسى بن مريم عليه السلام، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله ! فيقول: ليتقدم إمامكم، فليصل بكم، فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه، قال: فحين يرى الكذاب ينماث (ماص الشيء ميثًا أي: مرسه وماث الملح في الماء؛ أي: أذابه) كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله ! هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله " (الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد.

قال الهيثمي: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.

انظر: مجمع الزوائد).

وبقتله – لعنه الله – تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم عليه السلام وأتباعه المؤمنين، ولله الحمد والمنة.




<-السـابق :: تابع " من أشراط السَّاعة الكبرى : المسيح الدَّجاَّل "
" من أشراط السَّاعة الكبرى : نزول عيسى عليه السلام " :: التـــالى->
****************



  " من أشراط السَّاعة الكبرى : طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها "
" من أشراط السَّاعة الكبرى : النار التي تحشر الناس " ::





 " من أشراط السَّاعة الكبرى : الدَّابَّة "
********* 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

{من ج1 الي اخر ج6.} كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين      كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري كتاب السلطان محل ال...