المدون

المدون دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

 https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhJ2zSp1N1WlsacBgUfzJatcAjp4B7bKpmuVhH0IQciH94rCUjHDLouo1ui9aAjGyCA3UrGXv5Zn3qipqeD-yTR3203JB0PXjzbnesJI2kSUKX8fDy02NbZtXSTJ0-OTwW5mfQdEK6Uwaw5OPOmh6cE2UK5gSJvFTg2HMwZ9CGcXWGkcj7u7LSy62awoJo/s761/%D8%A8%D9%84%D8%A7%20%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg

الأحد، 11 يناير 2026

أشراط الساعة، وإليك أهمها مما ثبت بالسنة النبوية منها: {الدابة - الدخان -طلوع الشمس من مغربها }



  1. ما هي علامات الساعة الكبرى بالترتيب؟
  2. *******
  3. تحدث العلماء عن أشراط الساعة، وإليك أهمها مما ثبت بالسنة النبوية منها:

  4. بعثة النبي (ﷺ).
  5. موت النبي (ﷺ).
  6. فتح بيت المقدس.
  7. طاعون عمواس.
  8. استفاضة المال، والاستغناء عن الصدقة.
  9. ظهور الفتن، كظهورها من المشرق، ومقتل عثمان رضي الله عنه، وموقعة الجمل، وموقعة صفين وظهور الخوارج، وموقعة الحَرَّة، واتباع سنن الأمم الماضية.
  10. ************
  11. 1. ياجوج وماجوج
  12. سبق عرض موضوعهما
  13. 2. الدخان




  14. " من أشراط السَّاعة الكبرى: الدُّخان "
  15. ظهور الدُّخان في آخر الزمان من علامات السَّاعة الكبرى التي دل عليها الكتاب والسنة.
  16. * أدلة ظهوره:
  17. أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
  18. قال الله تعالى: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) " [الدخان: 10، 11].
  19. والمعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضحٍ يغشى الناس ويعمُّهم، وعند ذلك يٌقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (انظر: تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير).
  20. وفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلماء:
  21. الأول: أن هذا الدُّخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدُّخان.
  22. وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، وتبعة جماعة من السلف (انظر: تفسير الطبري).
  23. قال رضى الله عنه: " خمس قد مضين: اللزام (هو ما جاء في قوله تعالى: " فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا " [الفرقان: 77] أي: يكون عذابًا لازمًا يهلكهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر.
  24. انظر: " تفسير ابن كثير " وشرح النووي لمسلم) والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان " (صحيح البخاري).
  25. ولما حدَّث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنه يجيء دخانُ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود رضى الله عنه، وقال: " من علم فليقل، ومن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) " [ص: 86] وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف "، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدُّخان (صحيح البخاري).
  26. وهذا القول رجَّحه ابن جرير الطبري، ثم قال: " لأن الله جلَّ ثناؤه توعد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " [الدخان: 10] في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: " إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) " [الدخان: 8، 9] ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " أمرًا منه له بالصبر.
  27. .
  28. إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخره عنهم لغيرهم (تفسير الطبري).
  29. الثاني: أن هذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، التي لم تجئ بعد، وسيقع قرب قيام السَّاعة.
  30. وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وبعض الصحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مليكة قال: " غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلتُ: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير).
  31. قال ابن كثير: " وهذا إسنادُ صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها.
  32. .
  33. مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " أي: بين واضح يراه كل أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود رضى الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.
  34. وهكذا قوله: " يَغْشَى النَّاسَ " أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين؛ لما قيل فيه: " يَغْشَى النَّاسَ " (تفسير ابن كثير).
  35. وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صيَّاد: " إني خبأت لك خبئًا " قال: هو الدُّخ، فقال له: " اخسأ؛ فلن تعدو قدرك " وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).
  36. وفي هذا دليل على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إلا بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة.
  37. وأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السَّاعة الكبرى كما سيأتي.
  38. وأما ما فسر به ابن مسعود رضى الله عنه ؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدم على كل موقوف (انظر: النهاية/ الفتن والملاحم).
  39. ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: " رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) " [الدخان: 12]، فيكشف عنهم، ثم يعودون، وهذا قرب القيامة.
  40. على أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار (انظر: التذكرة) بأنهما دخانات ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان غير الدُّخان الحقيقي، الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط السَّاعة.
  41. قال القرطبي: " قال مجاهدٌ: كان ابن مسعود يقول: هما دخانات قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر؛ فثقب مسامعه " (لتذكرة).
  42. وقال ابن جرير: " وبعد؛ فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدهم، ويكون مُحِلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح " (تفسير الطبري).
  43. ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:
  44. مضى ذكر بعض الأحاديث الدالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك:
  45. 1- روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بادروا بالأعمال ستًا: الدَّجَّال، والدُّخان " (صحيح مسلم).
  46. 2- وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى: " الدُّخان " (صحيح مسلم).
  47. 3- وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه " (تفسير الطبري،و " تفسير ابن كثير " قال ابن كثير: " إسناده جيد ".
  48. وذكر ابن حجر رواية الطبري عن أبي مالك وابن عمر، ثم قال: " وإسنادهما ضعيف جدًا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا ". فتح الباري).
  49. ************
  50. 2.




  51. " من أشراط السَّاعة الكبرى: الخُسوفات الثلاثة "
  52. * معنى الخسف:
  53. يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (انظر: ترتيب القاموس المحيط) ومنه قوله تعالى: " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ " [القصص: 81].
  54. والخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط السَّاعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى.
  55. * الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات:
  56. 1- عن حذيفة بن أسيد رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن السَّاعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات.
  57. .
  58. (فذكر منها): وثلاثة خسوف: خسفُ بالمشرق، وخسفُ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب (صحيح مسلم).
  59. 2- وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيكون بعدي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب " قلت: يا رسول الله ! أيُخسَفُ بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أكثر أهلها الخبث " (رواه الطبراني في " الأوسط " ؛ كما قال الهيثمي في: " مجمع الزوائد " وقال: " في الصحيح بعضه، وفيه حكيم بن نافع، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات).
  60. * هل وقعت هذه الخسوفات؟
  61. وهذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعدُ؛ كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيءٌ منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (انظر: الإشاعة) ولكن الصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط السَّاعة الصغرى.
  62. أما هذه الخسوفات الثلاثة؛ فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب.
  63. قال ابن حجر: " وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا " (فتح الباري).
  64. ويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنها إنما تقع إذا كَثُر الخبث في الناس، وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم.
  65. *******************
  66. 3.




  67. " من أشراط السَّاعة الكبرى: الدُّخان "
  68. ظهور الدُّخان في آخر الزمان من علامات السَّاعة الكبرى التي دل عليها الكتاب والسنة.
  69. * أدلة ظهوره:
  70. أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
  71. قال الله تعالى: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) " [الدخان: 10، 11].
  72. والمعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضحٍ يغشى الناس ويعمُّهم، وعند ذلك يٌقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (انظر: تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير).
  73. وفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلماء:
  74. الأول: أن هذا الدُّخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدُّخان.
  75. وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، وتبعة جماعة من السلف (انظر: تفسير الطبري).
  76. قال رضى الله عنه: " خمس قد مضين: اللزام (هو ما جاء في قوله تعالى: " فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا " [الفرقان: 77] أي: يكون عذابًا لازمًا يهلكهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر.
  77. انظر: " تفسير ابن كثير " وشرح النووي لمسلم) والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان " (صحيح البخاري).
  78. ولما حدَّث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنه يجيء دخانُ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود رضى الله عنه، وقال: " من علم فليقل، ومن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) " [ص: 86] وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف "، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدُّخان (صحيح البخاري).
  79. وهذا القول رجَّحه ابن جرير الطبري، ثم قال: " لأن الله جلَّ ثناؤه توعد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " [الدخان: 10] في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: " إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) " [الدخان: 8، 9] ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " أمرًا منه له بالصبر.
  80. .
  81. إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخره عنهم لغيرهم (تفسير الطبري).
  82. الثاني: أن هذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، التي لم تجئ بعد، وسيقع قرب قيام السَّاعة.
  83. وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وبعض الصحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مليكة قال: " غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلتُ: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير).
  84. قال ابن كثير: " وهذا إسنادُ صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها.
  85. .
  86. مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " أي: بين واضح يراه كل أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود رضى الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.
  87. وهكذا قوله: " يَغْشَى النَّاسَ " أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين؛ لما قيل فيه: " يَغْشَى النَّاسَ " (تفسير ابن كثير).
  88. وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صيَّاد: " إني خبأت لك خبئًا " قال: هو الدُّخ، فقال له: " اخسأ؛ فلن تعدو قدرك " وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) " (صحيح البخاري وصحيح مسلم).
  89. وفي هذا دليل على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إلا بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة.
  90. وأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السَّاعة الكبرى كما سيأتي.
  91. وأما ما فسر به ابن مسعود رضى الله عنه ؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدم على كل موقوف (انظر: النهاية/ الفتن والملاحم).
  92. ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: " رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) " [الدخان: 12]، فيكشف عنهم، ثم يعودون، وهذا قرب القيامة.
  93. على أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار (انظر: التذكرة) بأنهما دخانات ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان غير الدُّخان الحقيقي، الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط السَّاعة.
  94. قال القرطبي: " قال مجاهدٌ: كان ابن مسعود يقول: هما دخانات قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر؛ فثقب مسامعه " (لتذكرة).
  95. وقال ابن جرير: " وبعد؛ فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدهم، ويكون مُحِلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح " (تفسير الطبري).
  96. ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:
  97. مضى ذكر بعض الأحاديث الدالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك:
  98. 1- روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بادروا بالأعمال ستًا: الدَّجَّال، والدُّخان " (صحيح مسلم).
  99. 2- وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى: " الدُّخان " (صحيح مسلم).
  100. 3- وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه " (تفسير الطبري،و " تفسير ابن كثير " قال ابن كثير: " إسناده جيد ".
  101. وذكر ابن حجر رواية الطبري عن أبي مالك وابن عمر، ثم قال: " وإسنادهما ضعيف جدًا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا ". فتح الباري).
  102. *******************
  103. 4.




  104. " من أشراط السَّاعة الكبرى: طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها "
  105. طلوع الشمس من مغربها من علامات السَّاعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسنة.
  106. * الأدلَّة على وقوع ذلك:
  107. أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
  108. قال الله تعالى " يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا " [الأنعام: 158].
  109. فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (انظر: " تفسير الطبري).
  110. قال الطبري – بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية-: " وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ذلك حين تطلع الشمس من مغربها " (تفسير الطبري).
  111. وقال الشوكاني: " فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه؛ فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به " (تفسير ا لشوكاني).
  112. ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:
  113. الأحاديث الدَّابَّة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها:
  114. 1- روى الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم السَّاعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها الناس؛ آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " (البخاري ومسلم).
  115. 2- وروى البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم السَّاعة حتى تقتتل فئتان.
  116. .
  117. (فذكر الحديث، وفيه): وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت؛ آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " (صحيح البخاري).
  118. 3- وروى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها " (صحيح مسلم).
  119. 4- وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، فذكر منها: " طلوع الشمس من مغربها " (صحيح مسلم).
  120. 5- وروى الإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها " (مسند أحمد وصحيح مسلم).
  121. 6- وعن أبي ذر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً؛ فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " (صحيح مسلم).
  122. * مناقشة ر شيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشمس:
  123. أورد رشيد رضا حديث أبي ذر السابق، وعلق عليه بأن متنه من أعظم المتون إشكالًا، وقال في سنده: " هذا الحديث رواه الشيخان من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر، وهو – على توثيق الجماعة له مدلِّس- قال الإمام أحمد: " لم يلق أبا ذر " كما قال الدارقطني: " لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما " وكما قال ابن المديني: " لم يسمع من علي ولا ابن عباس " ذكر ذلك في " تهذيب التهذيب ".
  124. وقد رُوِي غير هذا عن هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون من حدثه عنهم غير ثقة.
  125. فإذا كان في بعض روايات الصحيحين والسنن مثل هذه العلل، وراء احتمال دخول الإسرائيليات، وخطأ النقل بالمعنى، فما القول فيما تركه الشيخان وما تركه أصحاب السنن؟! " (تفسير المنار، تأليف محمد رشيد رضا).
  126. هذا ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله !!
  127. وكلامه هذا كلامٌ خطير جداَ، وطعنٌ في الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشكيك في صحَّتها، لا سيما ما كان في " الصحيحين " اللذين أجمعت الأمة على تلقِّيهما بالقبول.
  128. ويا ليت أنه أنعم النظر في سند هذا الحديث، وسلم متنه من الإشكال الذي ادعاه، وتبع ما قاله هنا سلفه من العلماء الأعلام الذين آمنوا بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلَّفوا ما لا علم لهم به، بل أجرواع كلامه صلى الله عليه وسلم على المعنى الصحيح المتبادر من الحديث.
  129. قال أبو سليمان الخطابي في قوله صلى الله عليه وسلم: " مستقرُّها تحت العرش ": " لا ننكر أن يكون لها استقرار تحته العرش؛ من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنما أُخبرنا عن غيب، فلا نكذب به، ولا نكيِّفه؛ لأن علمنا لا يحيط به ".
  130. ثم قال عن سجودها تحت العرش: " وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش، فلا ينكر ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، والتصرف لما سخرت له، وأما قوله عز وجل: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ " [الكهف: 86] فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب " (شرح السنة " للبغوي).
  131. وقال النووي: " وأما سجود الشمس؛ فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها " (شرح النووي لصحيح مسلم).
  132. وقال ابن كثير: " يسجد لعظمته كل شيءٍ طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيءٍ مما يختصُّ به " (تفسير ابن كثير).
  133. وقال ابن حجر: " وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم، المعبَّر عنه بالجري، والله أعلم " (فتح الباري).
  134. وعلى كل حال؛ فالكلام هنا ليس على استقرار الشمس، ولا على سجودها، وإنما أردت أن أبين أن حديث أبي ذرٍّ رضى الله عنه ليس في متنه إشكال كما زعم رشيد رضا رحمه الله، وأن العلماء قد تلقَّوه بالقبول، وبيَّنوا معناه.
  135. وأما قدحه في سند هذا الحديث؛ فوهمٌ منه؛ فإن الحديث متَّصل الإسناد برواية الثقات، وما ذكره من تدلُّيس إبراهيم بن يزيد التيمي وأنه لم يلق أبا ذر ولا حفصة وعائشة وأنه لم يدرك زمانهما، فيجاب عنه:
  136. 1- أن الحديث ليس في سنده رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبي ذر، وإنما سنده – كما في البخاري ومسلم – من رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر.
  137. وأبو إبراهيم هو: يزيد بن شريك التيمي، روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم، وروى عنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وغيرهما، وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد وابن حجر، وروى عنه الجماعة، وقال أبو موسى المديني: " يقال: إنه أدرك الجاهلية " (انظر: تهذيب التهذيب).
  138. 2- إن إبراهيم بن يزيد قد صرَّح بالَّسماع من أبيه يزيد؛ كما في رواية مسلم فإنه قال: ".
  139. .
  140. حدثنا يونس عن إبراهيم بن يزيد التيمي سمعه فيما أعلم عن أبيه عن أبي ذر " (صحيح مسلم).
  141. والثقة إذا صرح بالسماع؛ قُبِلت روايته؛ كما هو مقرَّر في علم مصطلح الحديث (انظر: تيسير مصطلح الحديث).
  142. * عدم قبول الإيمان والتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها:
  143. إذا طلعت الشمس من مغربها؛ فإنه لا يقبل الإيمان ممَّن لم يكن قبل ذلك مؤمناَ؛ كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال عز وجل: " فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) " [غافر: 84، 85].
  144. قال القرطبي: " قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم – لإيقانهم بدُنوِّ القيامة – في حال مَن حضره الموت؛ في ا نقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانهم من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة مَن حضره الموت " (التذكرة، وتفسير القرطبي).
  145. وقال ابن كثير: " إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة؛ حينئذٍ لم تقبل منه توبة " (تفسير ابن كثير).
  146. وهذا هو الذي جاب به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة؛ فإن الله تعالى قال: " يوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا " [الأنعام: 158].
  147. وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طُبعَ على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل " (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، وقال: " إسناده صحيح).
  148. وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله عز وجل جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله تبارك وتعالى: " يوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ " الآية (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح).
  149. ويرى بعض العلماء (انظر: " لتذكرة " للقرطبي، وتفسير الألوسي) أن الذين لا يُقبل إيمانُهم هم الكفار الذين عاينوا طلوع الشمس من مغربها، أما إذا امتدَّ الزمان، ونسي الناس ذلك؛ فإنه يقبل إيمان الكفار وتوبة العصاة.
  150. قال القرطبي: وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح) أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعدة من الجنة ومقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله، وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالشاهد له مردودةً ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنيِّه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدَّت أيام الدُّنيا إلى أن يَنسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدَّثون عنه إلا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًا، وينقطع التواتر عنه، فمَن أسلم في ذلك الوقت أو تاب؛ قبل منه، الله أعلم " (تفسير القرطبي، التذكرة).
  151. وأيد ذلك بما روي: " إن الشمس والقمر يُكسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان ".
  152. وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة ".
  153. وروي عن عمران بن حصين أنه قال: " إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة، فيهلك فيها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك؛ لم تقبل توبته، ومَن تاب بعد ذلك؛ قُبِلَت توبته " (التذكرة).
  154. والجواب عن هذا كله: " أن النصوص دلَّت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهدها ".
  155. والذي يؤيِّد هذا ما رواه الطبري عن عائشة رضي الله عنها قالت: " إذا خرج أول الآيات؛ طُرِحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهِدت الأجسام على الأعمال " (تفسير الطبري،قال ابن حجر: " سنده صحيح، وهو وإن كان موقوفًا فحكمه حكم الرفع ".
  156. فتح الباري).
  157. والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها م الآيات؛ فإن الأحاديث تدلُّ على قَبول التوبة والإيمان في ذلك الوقت.
  158. وروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: " التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها " (تفسير الطبري،قال ابن حجر: " سنده جيد ".
  159. فتح الباري).
  160. وروى الإمام مسلم عن أبي موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها " (صحيح مسلم).
  161. فجعل صلى الله عليه وسلم غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها.
  162. وقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثارًا كثيرة تدلُّ على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة، ثم قال: " فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متَّفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب؛ أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتدُّ إلى يوم القيامة " (فتح الباري).
  163. وأما ما استدلُّى به القرطبي؛ فالجواب عنه:
  164. أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: " رَفع هذا لا يثبت ".
  165. وحديث عمران بن حصين: " لا أصل له " (فتح الباري).
  166. وأما حديث: " إن الشمس والقمر يُكسَيان الضوء والنور.
  167. .
  168. .
  169. " إلخ؛ فلم يذكر له القرطبي سندًا، وعلى فرض ثبوته؛ فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليل على أن باب التوبة قد فُتح مرة أخرى.
  170. وذكر الحافظ أنه وقف على نصٍّ فاصل في هذا النزاع، وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه: " فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة " لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ".
  171. .
  172. الآية (فتح الباري، وذكر الحافظ أنه رواه الطبراني والحاكم، وبحثت عنه في " المستدرك " للحاكم في مظانه، فلم أعثر عليه).




  173. <-السـابق :: " من أشراط السَّاعة الكبرى : الدُّخان "
  174. " من أشراط السَّاعة الكبرى : الدَّابَّة " :: التـــالى-> **************
  175. 5.




  176. " من أشراط السَّاعة الكبرى: الدَّابَّة "
  177. ظهور دابَّة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب السَّاعة ثابت بالكتاب والسنة:
  178. * أدلَّة ظهورها:
  179. أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
  180. قال الله تعالى: " وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ " [النمل: 82].
  181. فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخرِج الله لهم دابة من الأرض، فتكلم الناس على ذلك (انظر: تفسير ابن كثير).
  182. قال العلماء في معنى قوله تعالى: " وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ " أي: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق، والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبرها، والنزل على حكمها، وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظة، ولا يصرفهم عن غيهم تذكرة، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلمهم؛ أي: دابة تعقل وتنطق، والدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم الناس أن ذلك آية من عند الله تعالى (لتذكرة).
  183. وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: " وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن ".
  184. ثم قال: " أكثرِوا تلاوة القرآن قبل أن يرفع " قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: " يُسرى عليه ليلًا، فيصبحون منه قَفرًا، وينسون (لا إلهَ إلا الله) ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القولُ عليهم " (تفسير القرطبي).
  185. ب- الأدلَّة من السنة المطهَّرة:
  186. 1- روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابة الأرض " (صحيح مسلم).
  187. 2- وله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا " (صحيح مسلم).
  188. 1- ومضى حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، فذكر منها الدابة، وفي رواية: " دابَّة الأرض " (صحيح مسلم).
  189. 4- وروى الإمام أحمد عن أبي أُمامة رضى الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم (الخرطوم;الأنف.
  190. وقيل: مقدم الأنف) ثم يغمرون (أي: يكثرون) فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطيين " (مسند الإمام أحمد - بهامشه منتخب الكنز،وقال الألباني: " صحيح ".
  191. انظر: صحيح الجامع الصغير).
  192. 5- وروى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بادروا بالأعمال ستًا.
  193. .
  194. (وذكر منها) دابة الأرض " (صحيح مسلم).
  195. 6- وروى ا لإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدَّابة ومعها عصا موسى عليه السلام، وخاتم سليمان عليه السلام، فتخطم (تخطم الكافر أي: تسمه، من: خطمت البعير إذا كويته خطمًا من الأنف إلى أحد خديه، وتسمى تلك السمة الخطام، ومعناه: أن تؤثر في أنفه سمة يعرف بها) الكافر – قال عفان (أحد رواة الحديث): أنف الكافر –بالخاتم، وتجلو وجه (الجلى – مقصورة -: انحسار مقدم الشعر، والمعنى تصقله وتبيضه) المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان (هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل) ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر " (مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، وقال: " إسناده صحيح ".
  196. وسنن الترمذي، أبواب التفسير، سورة النمل، وقال: " حديث حسن " ومستدرك الحاكم، وسبب تضعيفه لهذا الحديث أن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو عنده ضعيف.
  197. أما الشيخ أحمد شاكر؛ فيرى أنه ثقة، حيث قال في تعليقه على " المسند ": " علي بن زيد: هو ابن جدعان، وقد سبق أننا وثقناه، وهو مختلف فيه، والراجح عندنا توثيقه، وقد صحح له الترمذي أحاديث).
  198. * من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:
  199. اختلفت الأقوال في تعيين دابَّة الأرض، وإليك بعض ما قاله العلماء في ذلك:
  200. الأول: قال القرطبي: " أول الأقوال أنها فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم " (تفسير القرطبي).
  201. واستشهد لهذا القول بما رواه أبو داود الطيالسي عن حذيفة بن أسيد الغفاري؛ قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لدَّابَّة.
  202. .
  203. (فذكر الحديث، وفيه): " لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام " (منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي، باب خروج الدابة للساعاتي، ولفظه: " ترنو "، وليس فيه: " ترغو ".
  204. ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه " قلت: الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عند الطيالسي والحاكم طلحة بن عمر الحضرمي: قال ابن معين: " ليس بشيء، ضعيف "، وقال الذهبي في " ذيل المستدرك ": " تركه أحمد "، وقال الهيثمي: " رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك "، " مجمع الزوائد " وانظر: " تهذيب التهذيب ـ وهذا الحديث أخرجه الحافظ ابن حجر في " المطالب العالية " وعزاه للطيالسي، ولفظه: " تزعق "، بدل: ترغو).
  205. وموضع الشاهد قوله: " ترغو " والرغاء إنما هو للإبل، وذلك " أن الفصيل لما قُتِلتِ الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل ".
  206. ثم قال: " لقد أحسن من قال:
  207. واذكر خروج فصيل ناقة صالح يسم الورى بالكفر والإيمان (التذكرة)
  208. وترجيح القرطبي لهذا القول فيه نظر؛ فإن الحديث الذي استند إليه في سنده رجل متروك.
  209. وأيضًا؛ فإنه جاء في بعض كتب الحديث لفظ: (تدنو) و(تربو) بدل: (ترغو) كما في " المستدرك " للحاكم.
  210. الثاني: أنها الجسَّاسة المذكورة في حديث تميم الداري رضى الله عنه في قصة الدَّجَّال.
  211. وهذا القول منسوبٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاض رضي الله عنهما (شرح النووي لمسلم، وممن قال بأنها الجساسة: البيضاوي في " تفسيره " وانظر: " الإذاعة " وكتاب " العقيدة الركن الأول في الإسلام " للشيخ محمد الفاضل).
  212. وليس في حديث تميم ما يدلُّ على أن الجساسة هي الدَّابة التي تخرج آخر الزمان، وإنما الذي جاء فيه أنه لقي دابَّة أهلب كثيرة الشعر، فسألها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
  213. وسُمِّيت بالجساسة لأنها تجسُّ الأخبار للدَّجَّال(النهاية في غريب الحديث، وشرح السنة للبغوي).
  214. وأيضًا؛ فما جاء في شأن الدَّابَّة التي نتحدث عنها من تعنيف الناس وتوبيخهم على كفرهم بآيات الله تعالى يُبيِّن أنها غير الجساسة التي تنقل الأخبار للدجال، والله أعلم.
  215. الثالث: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة.
  216. وهذا القول نسبه القرطبي (تفسير القرطبي) إلى ابن عباس رضي الله عنهما؛ منقولًا من كتاب النقاش، ولم يذكر له مستندًا في ذلك، وذكره الشوكاني في " تفسيره " (تفسير الشوكاني، فتح القدير).
  217. الرابع: أن الدَّابَّة إنسانٌ متكلِّم يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛ لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بيِّنة.
  218. وهذا القول ذكره القرطبي، وردَّه بأن الدَّابَّة لو كانت إنسانًا يناظر المبتدعة؛ لم تكن الدَّابَّة آية خارقة وعلامة من علامات السَّاعة العشر.
  219. وأيضًا فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسمُّوه باسم الإنسان أو العالم أو الإمام إلى أن يسمى بالدابة، وهذا خروجٌ عن عادة الفصحاء، وعن تعظيمك العلماء (انظر: تفسير القرطبي).
  220. الخامس: أن الدَّابَّة اسم جنس لكلِّ ما يدبُّ، وليست حيوانًا مشخَّصًا معيَّنًا يحوي العجائب والغرائب، ولعل المراد بها تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قُلوبٌ تعقل، فترجع بهم إلى الله، وإلى دينه، وتلزمهم الحجة، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فإن من معاني التكليم التجريح.
  221. وهذا القول هو ما ذهب إليه أبو عبية في تعليقه على " النهاية/ الفتن والملاحم " لابن كثير (تحقيق محمد فهيم أبو عببية) وهو أي بعيد عن الصواب، وذلك لأمور:
  222. أ- أن الجراثيم موجودة من قديم الزمان، وكذلك الأمراض التي تفتك بالناس في أجسامهم وزروعهم ودوابهم (انظر: " إتحاف الجماعة) والدَّابَّة التي هي من أشراط السَّاعة لم تظهر بعد.
  223. ب- أن الجراثيم غالبًا لا ترى بالعين المجرَّدة، وأما الدَّابَّة ؛ فلم يقل أحدٌ: إنها لا تُرى، بل إن النبي ﷺ ذكر من أحوالها ما يدلُّ على رؤية الناس لها، فذكر أن معها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام.
  224. .
  225. إلى غير ذلك مما سبق ذكره.
  226. ج- أن هذا الدَّابَّة تَسِم الناس على وجوههم بالكفر والإيمان، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر، وأما الجراثيم؛ فلا تفعل شيئًا من ذلك.
  227. د- الذي يظهر أن الذي دفعه لهذا القول هو ما ذُكِر في صفة الدَّابَّة من الأقوال الكثيرة المختلفة ولكن قدرة الله أعظم، وما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب التسليم به.
  228. وكذلك؛ فأي مانع من حمل اللفظ على المعنى المتبادر، ولا نلجأ إلى التجوز إلا إذا تعذَّرتِ الحقيقة، لا سيما أن قوله هذا مخالفٌ لأقوال المفسرين؛ فإنهم ذكروا أن هذه الدابة مخالفة لما يعتاده البشر، فهي من خوارق العادات؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها أمرٌ خارقٌ للعادة.
  229. وقد جاء في الحديث أنهما يخرجان في وقت متقارب؛ قال صلى الله عليه وسلم: " أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا " (رواه مسلم).
  230. والذي يجب الإيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالة على أنهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدابة؛ فهم الناس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السَّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.
  231. والذي يؤيد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب الناس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو أنه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السلام، فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام (انظر: " في ظلال القرآن).
  232. قال أحمد شاكر رحمه الله: " والآية صريحةٌ بالقول العربي أنها (دابَّة) ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل.
  233. .
  234. ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة) الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن ربه، والمبيِّن آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإباحيون، المتحلِّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون (الجمجمة: هو أن لا يبين كلامه.
  235. انظر: ترتيب القاموس المحيط) ويحاورون، ويداورون، ثم يتأولون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة الغرب، يجعلونه أشبه بالرموز؛ لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون " (شرح أحمد شاكر لـ " مسند أحمد).
  236. * مكان خروج الدَّابَّة:
  237. اختلفت الأقوال في تعيين مكان خروج الدَّابَّة،فمنها:
  238. 1- أنها تخرج من مكة المكرَّمة من أعظم المساجد.
  239. ويؤيد هذا القول ما رواه الطبراني في " الأوسط " عن حذيفة بن أسيد – أراه رفعه - ؛ قال: " تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبت الأرض، فبينا هم كذلك إذ تصدّضعت " (مجمع الزوائد).
  240. قال ابن عيينة: " تخرج حين يسري الإمام جمع، وإنما جعل سابقًا ليخبر الناس أن الدَّابَّة لم تخرج " (مجمع الزوائد،قال الهيثمي: " رجاله ثقات).
  241. 2- أن لها ثلاث خَرَجات، فمرة تخرج في بعض البوادي ثم تختفي، ثم تخرج في بعض القرى، ثم تظهر في المسجد الحرام (جاء في حديث حذيفة بن أسيد عند الحاكم: إن لها " ثلاث خرجات "، وذكر الحديث بطوله، ثم قال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ".
  242. ووافق الذهبي في " تلخيصه المستدرك).
  243. وهناك أقوال أخرى غير ما ذكرته، غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكي (انظر: التذكرة والإشاعة) فالله أعلم بذلك.
  244. * عمل الدَّابَّة:
  245. إذا خرجت هذه الدَّابَّة العظيمة؛ فإنها تسم المؤمن والكافر.
  246. فأما المؤمن؛ فإنها تجلو وجهه حتى يشرق، ويكون ذلك علامة على إيمانه.
  247. وأما الكافر؛ فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره والعياذ بالله.
  248. وجاء في الآية الكريمة قوله تعالى: " أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ " [النمل: 82].
  249. وفي معنى هذا التكليم اختلفت أقوال المفسرين:
  250. 1- أن المراد: تكلمهم كلامًا أي: تخاطبهم مخاطبة ويدلُّ على هذا قراءة أُبي بن كعب رضى الله عنه: (تنبئهم).
  251. 2- تجرحهم، ويؤيد ذلك قراءة (تَكْلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف، من الكلم، وهو الجرح، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس رضى الله عنه؛ أي: تسمهم وسمًا (انظر: " تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني).
  252. وهذا القول يشهد له حديث أبي أُمامة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم " (مسند الإمام أحمد - بهامشه منتخب الكنز،وقال الألباني: " صحيح ".
  253. انظر: صحيح الجامع الصغير).
  254. وروى عن ابن عباس أنه قال: " كلا تفعل " أي: المخاطبة والوسم.
  255. قال ابن كثير: " وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم " (تفسير ابن كثير).
  256. وأما الكلام الذي تخاطبهم به؛ فهو قولها: " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ " [النمل: 82].
  257. وهذا على قراءة مَن قرأها بفتح همزة (إن) أي: تخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهذا قراءة عامَّة قرَّاء الكوفة وبعض أهل البصرة.
  258. وأما قراءة عامة قراء الحجاز والبصرة والشام؛ فبكسر همزة (إن) على الاستئناف، ويكون المعنى: تكلِّمُهم بما يسوؤهم، أو ببطلان الأديان سوى دين الإسلام (انظر: " تفسير الطبري وتفسير القرطبي وتفسير الشوكاني).
  259. قال ابن جرير: " الصواب من القول في ذلك أنها قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضتان في قراءة الأمصار " (تفسير الطبري).
  260. <-السـابق :: " من أشراط السَّاعة الكبرى : طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها "
  261. " من أشراط السَّاعة الكبرى : النار التي تحشر الناس " :: التـــالى->

  262. *******************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

{من ج1 الي اخر ج6.} كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين      كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري كتاب السلطان محل ال...