المدون

المدون دكتور عبد الغفار سليمان البنداري

 https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhJ2zSp1N1WlsacBgUfzJatcAjp4B7bKpmuVhH0IQciH94rCUjHDLouo1ui9aAjGyCA3UrGXv5Zn3qipqeD-yTR3203JB0PXjzbnesJI2kSUKX8fDy02NbZtXSTJ0-OTwW5mfQdEK6Uwaw5OPOmh6cE2UK5gSJvFTg2HMwZ9CGcXWGkcj7u7LSy62awoJo/s761/%D8%A8%D9%84%D8%A7%20%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg

السبت، 17 يناير 2026

تابع مجموعة المقالات ج2.




  1. الحثّ على الإكثار من بعض الأعمال


  2. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  3. بسم الله الرحمن الرحيم

  4. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فهناك أعمال حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار[fa1] منها, ينبغي لكل مسلم أن يحرص عليها, ومنها :
  5. شهادة أن لا إله إلا الله:
  6. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أكثروا من شهادة: أن لا إله إلا الله, قبل أن يحال بينكم وبينها, ولقنوها موتاكم )) [أخرجه أبو يعلى في المسند, وحسنه الألباني في صحيح الجامع وزيادته, رقم(1212)]
  7. وشهادة لا إله إلا الله لها فضائل عظيمة, قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة...فهي كلمة التقوى...وهي كلمة الإخلاص, وشهادة الحق, ودعوة الحق, وبراءة من الشرك, ونجاة هذا الأمر, ولأجلها خلق الخلق... ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب...ولأجلها أمرت الرسل بالجهاد, فمن قالها عُصِم في ماله ودمه, ومن أباها فماله ودمه هدر, وهي مفتاح دعوة الرسل, وهي مفتاح الجنة, وهي نجاة من النار, وهي توجب المغفرة, وهي أحسن الحسنات, وهي تمحو الذنب والخطايا, وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب, وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن, فلو وزنت بالسموات والأرض رجحت بهن,...وهي أفضل ما قاله النبيون, وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا, وتعدل عتق الرقاب, وتكون حرزًا من الشيطان,...ومن قالها ومات عليها كان من دار أهل الثواب, ومن ردها كان من أهل العقاب...ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية, ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقهم فإنهم لا بد أن يخرجوا منها.
  8. السجود ( الصلاة):
  9. عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( عليك بكثرة السجود لله, فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة, وحطّ عنك بها خطيئة )) [رواه مسلم]وعن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آتيه بوَضُوئه وبحاجته، فقال لي: ((سَلْني) قلتُ مرافقتك في الجنة قال عليه الصلاة والسلام: (أو غير ذلك؟)) قلتُ: هو ذاك؛ فقال: (( فأَعنِّي على ذلك بكثرة السجود) [أخرجه مسلم]
  10. قال الإمام النووي رحمه الله: فيه الحث على كثرة السجود, والترغيب فيه, والمراد به السجود في الصلاة...وسبب الحثّ عليه ما سبق في الحديث: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب﴾ [العلق:19] ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى, وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن. والله أعلم
  11. قال العلامة ابن باز رحمه الله: المعنى: أعني بكثرة الصلاة, لأن السجود من أجزاء الصلاة, ومن أهم أجزاء الصلاة, فالمعنى أعني على نفسك بكثرة الصلاة, بكثرة التعبد غير الفريضة, كصلاة الضحى, والتهجد بالليل, وما بعد الفرائض من الرواتب وما قبلها فالمؤمن يكثر من التنفل فذلك من أسباب دخول الجنة ومن أسباب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة, ومن أسباب شفاعته عليه الصلاة والسلام.
  12. قال العلامة العثيمين رحمه الله لو أن الإنسان سجد بدون صلاة وجلس يدعو طويلًا والسجدة منفردة عن الصلاة؟...فهذا مبتدع, لأن السجود المنفرد لا يكون إلا لسبب, وهو التلاوة والشكر وما سوى ذلك فلا بد أن يكون في نفس الصلاة.

  13. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة:
  14. عن أوس بن أوسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ مِن أَفْضلِ أيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعةِ، فَأَكْثِرُوا عليَّ مِنَ الصلاةِ فِيهِ، فإنَّ صَلاتَكُمْ معْرُوضَةٌ علَيَّ )) فقالوا: يَا رسول اللَّه، وكَيْفَ تُعرضُ صلاتُنَا عليْكَ وقدْ أرَمْتَ؟ قال: يقولُ: بَلِيتَ، قالَ: (( إنَّ اللَّه حَرم عَلَى الأرْضِ أجْساد الأنْبِياءِ.(( قال الإمام النووي رحمه الله: رواهُ أَبُو داود بإسنادٍ صحيحِ.
  15. قال العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: في هذا الحث والتحريض على الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله يوم الجمعة, وأنها تعرض عليه.
  16. ويوم الجمعة يبتدئ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس, فينبغي الإكثار فيه من الذكر والدعاء والتقربات والتطوعات, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليها بها عشرًا, فينبغي الإكثار من ذلك, لما فيه من الخير العظيم للمصلى, وللنبي عليه الصلاة والسلام, فهي تعرض عليه يعني على روحه عليه الصلاة والسلام...
  17. وصيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الواردة: " اللهم صلّ على محمد, وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم, وعلى آل إبراهيم, إنك حميد مجيد, اللهم بارك على محمد, وعلى آل محمد, كما باركت على إبراهيم, وعلى آل إبراهيم, إنك حميد مجيد.
  18. هذا أفضل ما روي فيها.
  19. وأما الصلاة من الله فهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

  20. قول: لا حول ولا قوة إلا بالله "
  21. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أكثروا من قول: لا إله إلا الله, فإنها كنز من كنوز الجنة )) [رواه الترمذي, وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1214)]
  22. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته, ولا قوة على طاعته إلا بمعونته.
  23. قال الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله: أي أجرها مُدخر لقائلها والمُتصف بها, كما يُدخر الكنز.
  24. وقال الإمام النووي رحمه الله: وعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة, وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم.
  25. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا حول ولا قوة إلا بالله. بها تحمل الأثقال وتكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال....وروي إن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم : لا حول ولا قوة إلا بالله.
  26. قال العلامة ابن باز رحمه الله: هذه كلمة عظيمة، ينبغي الإكثار منها: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول يعني: لا حول لي على شيءٍ، ولا قوةَ لي على شيءٍ إلا بالله، العبد عاجز مسكين، ليس له حول ولا قوة في أكله وشربه وصلاته وصومه وجميع شؤونه، ليس له حول ولا قوة إلا بالله، إن الله قوَّاه وإلا تعطّل، فالمؤمن يقول هذا مُتجردًا من الحول والقوة ..... أن ربه هو الذي يملك هذا كله سبحانه وتعالى، لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا زاد: "ولا ملجأ من الله إلا إليه" حسن أيضًا.

  27. الدعاء بالعافية:
  28. سأل العباس رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ يدعو اللهَ به، فقال له عليه الصلاة والسلام: (( أكْثِرِ الدُّعاء بالعافية )) [رواه الحاكم, وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1198)]
  29. قال الإمام المناوي رحمه الله: أكْثِرْ يا عباس الدعاءَ بالعافية؛ أي: بدوامها، واستمرارها عليك، فإنَّ مَنْ كمَلت له العافية، عَلِقَ قلبُه بملاحظة مولاه، وعُوفي من التعلُّق بسواه.
  30. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي، وحين يصبح: (( اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني، ودنياي، وأهلي، ومالي)) الحديث [أخرجه الترمذي والنسائي مختصرًا].
  31. قال الطيبي رحمه الله: (( العافية )) هي دفاع الله عن العبد الأسقام والبلايا، ويندرج تحت قوله: (( في الدنيا والآخرة )) كل مشنوء ومكروه.
  32. وقال الإمام المناوي رحمه الله: قوله: (( والعافية في ديني ودنياي )) يندرج تحته كل الوقاية من كل مكروه.
  33. وقال العلامة السندي رحمه الله: قوله: (( إني أسألك العافية )) هي السلامة من الأسقام والبلايا، وقيل: عدم الابتلاء بها، والصبر عليها، والرضا بقضائها.
  34. وقال العلامة شرف الحق العظيم آبادي رحمه الله: (( اللهم أسالك العافية ))؛ أي: السلامة من الآفات، (( اللهم احفظني ))؛ أي: ادفع البلاء عني.

  35. ذكر الموت:
  36. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت))[رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع(1210)]
  37. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت, فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه, ولا ذكره في سعةٍ إلا ضيقها عليه)[رواه ابن حبان وحسنه الالباني في صحيح الجامع 1211]
  38. قال الإمام ابن حبان البستي رحمه الله: الواجب على العاقل ذكر الموت على الأوقات كلها, وترك الاغترار بالدنيا في الأسباب كلها, إذ الموت رحى دوَّارة بين الخلق, وكأس يُدار بها عليهم لا بد لكل ذي روح أن يشربها، ويذوق طَعْمَها، فالعاقل لا ينسى ذكر شيء هو مترقِّب له، ومنتظر وقوعه.
  39. وقال الإمام ابن العربي رحمه الله: إذا تذكَّر العبد الموت وكان منه على رصد؛ إذ هو له بالمرصاد، انقطع أملُه، وكثُر عملُه، وهانت عليه لذَّاته، ولم يكن للدنيا قدْرٌ عنده؛ إذ ليس بالحقيقة من قطَّانها؛ وإنما هو ينزل نفسه بمنزلة الميت في كل حين من أحيانها، فيعرض عن الدنيا، ويُقبل على الآخرة، ويزهق الشيطان عنه، ويلزمه الملك.
  40. وقال الإمام القرطبي رحمه الله: وقوله عليه الصلاة السلام: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات))، كلام مختصر وجيز، قد جمع التذكرة, وأبلغ في الموعظة، وذكر الموت يُورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية, والتوجُّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ويردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي.
  41. وقال العلامة العثيمين رحمه الله: الذي ينبغي للإنسان العاقل كلما رأى من نفسه طموحًا إلى الدنيا، وانشغالًا بها واغترارًا بها أن يتذكَّر الموت.

  42. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
  43. ================================
  44. من درر العلامة ابن القيم عن اللذات


  45. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  46. بسم الله الرحمن الرحيم

  47. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فاللذات من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.

  48. [شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل]
  49. اللذة والألم:
  50. لا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة، وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداءً، ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عليها يألمون بفقدها ابتداءً، ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوا منها، فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير، والآجل الدائم العظيم بون.

  51. [الداء والدواء]
  52. أنواع اللذات:
  53. لذات الدنيا ثلاثة أنواع:
  54. فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة, ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم الثواب, ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه, وشفاء غيضه بقهر عدو الله وعدوه, فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله, ومحبته له, وشوقه إلى لقائه, وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم ؟
  55. النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة, وتُعقب آلاماً أعظم منها, كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً مودة بينهم في الحياة الدنيا, يحبونهم كحبِّ الله,...وهذه اللذات تنقلب آخراً من أعظم الآلام.
  56. النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألماً, ولا تمنع أصل لذة دار القرار, وإن منعت كمالها, وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة. فهذه زمانها يسير, ليس لتمتع النفس بها قدر, ولا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها.
  57. وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( كلّ لهو يلهو به الرجل فهو باطل, إلا رمية بقوسه, وتأديبه فرسه, وملاعبته امرأته, فإنهن من الحق ))
  58. فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق, وما لم يعن عليها فهو باطل.
  59. كلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل:
  60. كل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته, فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل, فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال, ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.

  61. اللذة المذمومة واللذة المحمودة:
  62. إذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها, فهي تُذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها, أو منعت لذةً خيراً وأجلّ منها, فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات, وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتُحمد إذا أعانت على لذة عظيمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجهٍ ما, وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها, قال تعالى: ﴿ بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا * وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ﴾ [الأعلى:16-17]
  63. وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: ﴿ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ﴾ [طه:72-73]
  64. وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة, ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها, فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يُذم تناولها, بل يُحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.
  65. أعظيم نعيم الآخرة ولذاتها:
  66. أعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الرب جل جلاله, وسماع كلامه منه, والقرب منه, كما ثبت في الحديث الصحيح في حديث الرؤية: (( فوالله ما أعطاهم شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه ))
  67. وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: (( وأسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك ))

  68. أعظم لذات الدنيا على الإطلاق:
  69. أعظم لذات الدنيا على الإطلاق, وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته, فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي, ونسبة لذاتها الفانية كتفلةٍ في بحرٍ, فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك, فأطيبُ ما في الدنيا معرفته ومحبته, وألذُّ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته, فمحبته ومعرفته قرة العيون, ولذة الأرواح, وبهجة القلوب, ونعيم الدنيا وسرورها, بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاماً وعذاباً, ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك, فليست الحياة الطيبة إلا بالله.
  70. والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة.

  71. [مفتاح دار السعادة]
  72. لذة تشارك الإنسان فيها البهائم:
  73. يغلط الجفاة الأجلاف في مسمى الحياة الطيبة حيث يظنونها التنعُّم بأنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح, أو لذة الرياسة والمال وقهر الأعداء, والتفنن بأنواع الشهوات, ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم, بل قد يكون حظُّ كثير من البهائم منها أكثر من حظَّ الإنسان, فمن لم يكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السِّباعُ والدوابُّ والأنعام فذلك ممن ينادي من بعيد.
  74. ولكن أين هذه اللذةُ من اللذة بأمرٍ إذا خالط بشاشته القلوب سلا عن الأبناء والنساء, والأوطان, والأموال, والإخوان, والمساكن, ورضي بتركها كلها والخروج منها رأساً, وعرض نفسه أنواع المكاره والمشاق, وهو متحمل لهذا منشرح الصدر به, حتى إن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره وهو يقول: فزتُ ربِّ الكعبة.

  75. [روضة المحبين]
  76. أقسام اللذات:
  77. فاللذة الجثمانيةُ: لذة الأكل, والشُّرب, والجماع, وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوانُ البهيمُ, فليس كمالُ الإنسان بهذه اللذة, لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها, ولأنها لو كانت كمالاً لكان أفضل الإنسان, وأكملهم أكثرهم أكلاً, وشرباً, وجماعاً وأيضاً :لو كانت كمالاً, لكان نصيب رُسُل الله...وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه. فلمَّا كان الأمرُ بالضد, تبين أنها ليست في نفسها كمالاً
  78. وأمَّا اللذة الوهميَّةُ الخيالية: فلَّذة الرئاسة, والتعاظم على الخلق, والفخر, والاستطالة عليهم, وهذه وإن كان طُلابها أشرف نفوساً من طلاب اللذة الأولى, فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها, فإن صاحبها منتصب لمعاداة كلِّ من تعاظم وترأس عليه.
  79. وأما اللذة العقلية الروحانية: فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال, من: الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم, فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة, فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضاً من كلِّ شيءٍ-ولا يُتعوض بغيره عنه – فصاحبُ هذه اللذة في جنةٍ عاجلةٍ نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا فإنه ليس للقلب والرُّوح ألذ ولا أطيبً ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به...والشوق إلى لقائه ورؤيت وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يُعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا.

  80. كل لذة أعقبت ألمًا فليست بلذة:
  81. كل لذةٍ أعقبت ألماً أو منعت لذةً أكمل منها فليست بلذةٍ في الحقيقة, وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها فأيُّ لذة لآكل طعامٍ شهيٍّ مسموم يُقطِّع أمعاءه عن قرب

  82. [رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه]
  83. أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها:
  84. مما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة وقصدًا وإرادةً: العلم بأن كل إنسان، بل كل حيوان، إنما يسعى فيما يُحصلُ له اللذة والنعيم وطيب العيش، ويندفع به عنه أضداد ذلك، وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمورٍ:
  85. أحدها: معرفة الشيء النافع للعبد، الملائم له، الذي بحصوله لذته وفرحه وسروره وطيب عيشه.
  86. الثاني: معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك.
  87. الثالث: سلوك تلك الطريق.
  88. الرابع: معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكِّد عليه حياته.
  89. الخامس: معرفة الطريق التي إذا سلكها أفضت به إلى ذلك
  90. السادس: تجنُّب سلوكها
  91. فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها، وما نقص منها عاد بسوء حاله، وتنكيد حياته.

  92. مقايسة العاقل بين اللذة المنغصة المنكدة، وبين اللذة التي لا تزول:
  93. أين عقل من آثر لذة عاجلة منغصة منكدة - إنما هي كأضعاث أحلام، أو كطيف تمتَّع به زائره في المنام - على لذة هي من أعظم اللذات، وفرحة ومسرة هي من أعظم المسرات، دائمة لا تزول ولا تفنى ولا تنقطع، فباعها بهذه اللذة الفانية المضمحلة التي حُشيت بالآلام، وإنما حصلت بالآلام، وعاقبتها الآلام؟ فلو قايس العاقل بين لذتها وألمها، ومضرتها ومنفعتها، لاستحيا من نفسه وعقله، كيف يسعى في طلبها؟ ويُضيع زمانه في اشتغاله بها؟ فضلًا عن إيثارها على (( ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )).
  94. وقد اشترى سبحانه من المؤمنين أنفسهم وجعل ثمنها جنته، وأجرى هذا العقد على يد رسوله وخليله وخيرته من خلقه، فسلعة ربُّ السماوات الأرض مشتريها، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم وسماع كلامه منه في دار ثمنها، ومن جرى على يده العقد رسوله، كيف يليق بالعاقل أن يضيعها ويهملها ويبيعها بثمن بخس، في دار زائلة مضمحلة فانية! وهل هذا إلا من أعظم الغبن؟ وإنما يظهر له هذا الغبن الفاحش يوم التغابن، إذا ثقلت موازين المتقين وخفَّت موازين المبطلين.
  95. اللذة التامة والفرح والسرور في معرفة الله وتوحيده:
  96. اللذة التامة والفرح والسرور، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو في معرفة الله، وتوحيده والأُنس به والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمِّ عليه فإن أنكد العيش عيش من قلبه مُشتت، وهمه مفرَّق؛ فاحرص أن يكون همُّك واحدًا، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في جنة معجلة قبل جنة الآخرة وفي نعيم عاجل.

  97. [الفوائد]
  98. مراتب الناس في اللذات
  99. لذةُ كل أحدٍ على حسب قدره وهمته وشرف نفسه.
  100. فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همةً وأرفعهم قدراً من لذتُهُ في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه, فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يُحصيها إلا الله, حتى تنتهي إلى من لذته في أخسِّ الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال فلو عرض عليه ما يلتذ به الأول لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألمت من ذلك, كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه ونفرت نفسه منه. وأكمل الناس لذةً من جُمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن, فهو يتناول لذاته المباحة على وجهٍ لا ينقُص حظه من الدار الآخرة ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه.
  101. متفرقات:
  102. & خاصة العقل تحملُ الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير, واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل.
  103. & الطالب الصادق في طلبه...كلما منع شيئاً من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته
  104. & اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها, مُثمرة للألم بعد انقضائها, فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكِّر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها, ثم وزان بين الأمرين, وانظر ما بينهما من التفاوت.

  105. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  106. =======================

  107. من درر العلامة ابن القيم عن الزهد


  108. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  109. بسم الله الرحمن الرحيم

  110. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالزهد من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.

  111. [طريق الهجرتين وباب السعادتين]
  112. ● أقسام الزهد:
  113. الزهد على ثلاثة أقسام:
  114. أحدها: فرض على كل مسلم, وهو الزهد في الحرام.
  115. الثاني: زهد مستحب, وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه, وهو الزهد في المكروه وفضول المباح والتفنن في الشهوات المباحة.
  116. الثالث: زهد..المشمّرون في السير إلى الله.
  117. ● الزهد في الدنيا:
  118. الزهد في الدنيا...ليس المراد تخليتها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفراً منها, وإنما إخراجها من قلبه بالكلية, فلا يلتفت إليها, ولا يدعها تُساكن قلبه وإن كانت في يده, فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك, وهي في قلبك, وإنما الزهد أن تتركها من قلبك, وهي في يدك, وهذا كحال الخلفاء الراشدين, وعمر بن عبدالعزيز الذي يضرب بزهد المثل, مع أن خزائن الأموال تحت يده, بل كحال سيد ولد ابن آدم صلى الله عليه وسلم حين فُتح عليه من الدنيا ما فُتِحَ, ولا يزيده ذلك إلا زهداً فيها.
  119. ● الذي يعين العبد على الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء:
  120. أحدها: علم العبد أنها ظل زائل, وخيال زائر, وأنها كما قال تعالى فيها: ﴿ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِب وَلَهۡو وَزِينَة وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُر فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا ﴾ [الحديد:20]
  121. وقال تعالى: ﴿ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمًا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ مُّقۡتَدِرًا﴾ [الكهف:45]
  122. سماها سبحانه متاع الغرور, ونهى عن الاغترار بها, وأخبر عن سوء عاقبة المغترين بها, وحذرنا مثل مصارعهم, وذم من رضي بها واطمأن إليها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مالي وللدنيا ! إنما أنا كراكبٍ قال في ظل شجرةٍ ثم راح وتركها ))
  123. فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همّة دنية, وعقل حقير, وقدر خسيس!
  124. الثاني: علمه أن وراءها داراً أعظم منها قدراً وأجلّ خطراً, وهي دار البقاء, وأن نسبتها إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدخل أحدكم إصبعه في اليم, فلينظر بم ترجع؟ )) فالزاهد فيها لكمال بمنزلة رجل في يده درهم زغل قيل له: اطرحه ولك عوضه مائة ألف دينار مثلاً, فألقاه من يده رجاء ذلك العوض, فالزاهد فيها لكمال رغبته فيما هو أعظم زّهِدَ فيها.
  125. الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئاً مما كُتِبَ له منها, وأن حرصه عليها لا يجلُب له ما لم يُقضَ له منها فمتى تيقن ذلك وصار له علم اليقين هان عليه الزهد فيها. فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها, وتُثبت قدمه في مقامه.

  126. ● الزهد في النفس:
  127. الزاهد يُسهِّل عليه الزهد في الحرام: سوءُ مغبته, وقبحُ ثمرته, وحمايةً لدينه, وصيانة لإيمانه, وإيثاراً للذة والنعيم على العذاب, وأنفةً من مشاركة الفساق والفجرة, وحمية من أن يستأسر لعدوه, ويسهِّل عليه الزهد في المكروهات وفضول المباحات علمُه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم, ويسهل عليه زهده في الدنيا معرفته بما وراءها وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى, وأما الزهد في النفس فهو ذبحها بغير سكين, وهو نوعان:
  128. أحدهما وسيلة وبداية: وهو أن تميتها, فلا تُبقى لها عندك من القدر شيئاً, فلا تغضب لها, ولا ترضى لها, ولا تنتصر لها, ولا تنتقم لها, قد سبَّلت عِرضها ليوم فقرها وفاقتها, فهي أهون عليك من أن تنتصر لها, أو تنتقم لها, أو تجيبها إذا دعتك, أو تكرمها إذا عصتك, أو تغضب لها إذا ذُمَّت, بل هي عندك أخسّ مما قيل فيها, أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك وإن كان صعباً عليها.
  129. وهذا وإن كان ذبحاً لها وإماتةً عن طباعها وأخلاقها, فهو عين حياتها وصحتها, ولا حياة لها بدون هذا البتة, وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرف منها على منازل المقربين, وينحدر منها إلى دار البقاء, ويشرب من عين الحياة, وتخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات, وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق.
  130. النوع الثاني: غاية وكمال وهو أن تبذلها للمحبوب جملةً بحيث لا تستبقي منها شيئاً بل تزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله, قد تعلقت رغبةُ محبوبه به, فهل يجد من قلبه رغبةً في إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه؟ فهكذا زهد المحب الصادق في نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه فهو يبذلها له دائماً يتعرض منه لقبولها

  131. [مدارج السالكين في منازل السائرين]
  132. ● منزلة الزهد:
  133. القرآن مملوء من التزهيد في الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها, والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها وسرعة إقبالها. فإذا أراد الله بعبده خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين حقيقة الدنيا والآخرة, ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار.
  134. قال الجنيد: سمعت سرياً يقول: إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه, وحماها عن أصفيائه, وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضيها لهم.
  135. الزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود, ولا يأسف منها على مفقود.
  136. وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام والثاني: ترك الفضول من الحلال, وهو زهد الخواص. والثالث: ترك ما يشغل عن الله, وهو زهد العارفين
  137. وهذا الكلام من الإمام أحمد...من أجمع الكلام, وهو يدل على أنه رضي الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى, وقد شهد له الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزُّهد. والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذُه في منازل الآخرة, وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد كـ " الزهد " لعبدالله بن المبارك, وللإمام أحمد, ولوكيع, ولهناد بن السري, ولغيرهم.
  138. ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: " ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال, ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك, وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك"
  139. فهذا من أجمع كلامٍ في الزهد وأحسنه, وقد روي مرفوعاً.

  140. ● الزهد في الدنيا لقلة وفائها وخسة شركائها:
  141. الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا ولتلك المواقف كظيظ من الزحام, فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم ما الذي زهدك في الدنيا؟ قال: قلة وفائها, وكثرة جفائها.
  142. [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح]
  143. ● الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة
  144. ومفتاح الرغبة في الآخرة: الزهد في الدنيا
  145. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين]
  146. ● الزهد:
  147. سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً؟ قال: نعم, بشرط أن لا يفرح إذا زادت, ولا يحزن إذا نقصت.
  148. وسمعت شيخ الإسلام يقول: الزهد تركك ما لا ينفعك, والورع تركك ما قد يضرك.
  149. فالزهد فراغ القلب من الدنيا, لا فراغ اليد منها.
  150. ● الزاهد أروح الناس بدنًا وقلبًا:
  151. الزاهد أروح الناس بدناً وقلباً, فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له في إرادة الله والدار الآخرة_ بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب إليه, وشحه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى لله وأحب إليه – كان من أنعم الناس عيشاً وأقرهم عيناً, وأطيبهم نفساً, وأفرحهم قلباً, فإن الرغبة في الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل, وتطيل الهم والغم والحزن, فهي عذاب حاضر يؤدي إلى عذاب منتظر أشد منه, وتفوت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا.
  152. ــــــــــــــــــــــ
  153. [الفوائد]
  154. ● أفضل الزهد:
  155. أفضل الزهد إخفاء الزهد.

  156. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  157. ----------------------------------=========
  158. من درر العلامة ابن القيم عن السعادة


  159. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  160. بسم الله الرحمن الرحيم

  161. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالسعادة من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم رحمه الله في عدد من كتبه وقد جمعت بعضًا مما ذكره أسأل الله أن ينفع به
  162. [شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل]
  163. السعادة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب:
  164. استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حفَّ الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات.
  165. [الرسالة التبوكية]
  166. طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا:
  167. قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]؛ أي: هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي الأمر، وردِّ ما تنازعتم فيه إليَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة..فدلَّ هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا.
  168. [أعلام الموقعين عن رب العالمين]
  169. السعادة في العلم النافع والعمل الصالح:
  170. العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ولا نجاة له إلا بالتعلق بسبهما فمن رُزِقهما فقد فاز وغَنِمَ ومن حُرمهما فالخير كلَّه حُرِمَ وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم وبهما يتميز البرُّ من الفاجر والتقيُّ من الغوي والظالم من المظلوم
  171. [مدارج السالكين في منازل السائرين]
  172. مدار السعادة على الاعتصام بالله:
  173. مدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله, والاعتصام بحبله, ولا نجاة إلا لمن استمسك بهاتين العصمتين.
  174. فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة, والاعتصام به يعصم من الهلكة
  175. والاعتصام به فهو التوكل عليه والامتناع به, والاحتماء به وسؤاله أن يحمى العبد ويمنعه, ويعصمه ويدفع عنه, فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد, والله يدفع عن الذين آمنوا, فيدفع عن عبده المؤمن به إذا اعتصم به كلَّ سبب يفضي إلى العطب ويحميه منه, فيدفع عنه الشبهات والشهوات, وكيد عدوه الباطن والظاهر, وشرَّ نفسه, ويدفع عنه موجب أسباب الشرِّ بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه, فينعقد في حقِّه أسبابُ العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها, ويدفع عنه قَدَرَه بقدره, وإراداته بإرادته, ويعيذه به منه.
  176. الرضا بالقدر من أسباب السعادة:
  177. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سعادة ابن آدم استخارة الله عز وجل, ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله, ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله, ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله ))
  178. فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة, والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة.


  179. [الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب]
  180. عنوان سعادة العبد:
  181. الله سبحانه وتعالى المسئول المرجو الإجابة...أن يجعلكم ممن إذا أنعم الله عليه شكر, وإذا ابتلى صبر, وإذا أذنب استغفر, فإن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان سعادة العبد, وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه.
  182. مدار السعادة على محبة الله جل وعلا
  183. المحبة...هي روح الإسلام, وقطبُ رحى الدين, ومدار السعادة والنجاة, وقد جعل الله لكل شيء سبباً, وجعل سبب المحبة دوام الذكر, فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره.

  184. [الفوائد]
  185. الأصول التي تُبنى عليها سعادة الإنسان:
  186. الأصول التي انبني عليها سعادةُ العبد ثلاثة: ولكل واحد منها ضد, فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده: التوحيد وضده الشرك, والسنة وضدها البدعة, والطاعة وضدها المعصية, ولهذه الثلاثة ضد واحد, وهو: خُلوُّ القلب من الرغبة في الله وفيما عنده ومن الرهبة منه ومما عنده.
  187. من علامات سعادة العبد:
  188. من علامات السعادة والفلاح: أن العبد كلما زِيدَ في علمه زِيدَ في تواضعه ورحمته وكلما زِيدَ في عمله زِيدَ في خوفه وحذره, وكلما زِيدَ في ماله زِيدَ في سخائه وبذله, وكلما زِيدَ في قدره وجاهه زِيدَ في قربه من الناس وقضاء حوائجهم, والتواضع لهم

  189. [مفتاح دار السعادة]
  190. أنواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة:
  191. سعادة خارجية عن ذات الإنسان: بل هي مستعارة له من غيره تزولُ باسترداد العارية وهي سعادةُ المال والجاه وتوابعهما, فبينا المرءُ بها سعيد ملحوظ بالعناية مرموق بالأبصار إذ أصبح في اليوم الواحد أذل من وتدٍ بقاعٍ يُشجِّجُ رأسه بالفهر واجي
  192. فالسعادة والفرحُ بهذه كفرح الأقرع بجُمة ابن عمه, والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزته, فإذا جاوز بصرُك كسوته فليس وراء عبادان قرية.
  193. السعادة الثانية: سعادة في جسمه وبدنه, كصحته واعتدال مزاجه, وتناسُب أعضائه, وحُسن تركيبه, وصفاء لونه, وقوة أعصابه.
  194. فهذه ألصقُ به من الأولى, ولكن في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته, فإن الإنسان إنسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه, كما قيل:
  195. يا خادم الجسم كم تشقي بخدمته فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
  196. السعادة الثالثة: هي السعادة الحقيقية, وهي سعادة نفسية روحية قلبية, وهي سعادةُ العلم النافع وثمرتُه, فإنها هي الباقيةُ على تقلُّب الأحوال, والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره, وفي دُوره الثلاثة – أعنى دار الدنيا, ودار البرزخ, ودار القرار – وبها يترقى في معارج الفضل ودرجات الكمال. أما الأولى, فإنما تصحبه في البقعة التي فيها مالُه وجاهُه. والثانية, فعرضة للزوال والتبدل بِنكس الخلق والردِّ إلى الضَّعف.
  197. فلا سعادة في الحقيقة إلا هذه الثالثة, التي كلَّما طال عليها الأمدُ ازدادت قوةً وعلوّاً, وإذا عُدِمَ المالُ والجاهُ فهي مالُ العبد وجاهُه, وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة البدن إذا انقطعت السعادتان الأوليتان.
  198. وهذه السعادة لا يعرفُ قدرها ويبعثُ على طلبها إلا العلمُ بها, فعادت السعادةُ كلُّها إلى العلم وما يقتضيه, والله يوفق من يشاء, لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع
  199. وإنما رغب أكثرُ الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها, ومرارة مباديها, وتعب تحصيلها, وأنها لا تنالُ إلا على جسر من التعب, فإنها لا تُحصَّلُ إلا بالجدَّ المحض, بخلاف الأوليتين, فإنهما حظّ قد يحوزه غيرُ طالبه, وبخت قد يحرزُه غيرُ جالبه من ميراثٍ أو هبةٍ أو غير ذلك, وأمَّا سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذلُ الوسع, وصدقُ الطلب وصحة النية.
  200. ومن طمحت همته إلى الأمور العلية, فواجب عليه أن يسدَّ على همته الطُّرق الدنيَّة.
  201. وهذه السعادةُ وإن كانت في ابتدائها لا تنفكُ عن ضرب من المشقة,...فإنها متى أُكرهت النفس عليها, وسيقت طائعةً وكارهةً إليها, وصبرت على لأوائها وشدَّتها, أفضت منها إلى رياض مُؤنقة, ومقاعد صدق ومقام كريم, تجد كل لذَّة دونها.
  202. من اجتمع فيه العقل الغريزي والمكتسب فقد أقبلت عليه جيوش السعادة:
  203. والعقل عقلان: عقل غزيري, وهو أبُ العلم ومربيه ومُثمرة.
  204. وعقل مكتسب مستفاد, وهو ولد العلم وثمرته ونتيجتُه.
  205. فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, واستقام له أمرُه, وأقبلت عليه جيوشُ السعادة من كل جانب, وإذا فقدهما فالحيوان البهيم أحسن حالاً منه, وإذا انفردا نقص الرجلُ بنقصان أحدهما.
  206. محبة علم الرسل من علامات السعادة:
  207. محبةُ العلم من علامات السعادة وبغضُ العلم من علامات الشقاوة, وهذا كله إنما هو في علم الرسل الذي جاؤوا به, وورثوه للأمَّة, لا في كلِّ ما يسمى علماً.

  208. من أمارات السعادة اشتغال العبد بعيوبه:
  209. طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس, وويل لمن نسِي عيبه وتفرَّغ لعيوب الناس. هذا من علامة الشقاوة, كما أن الأول من أمارات السعادة.
  210. علامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره:
  211. الله سبحانه إذا أراد بعبده خيراً أنساه رؤية طاعاته, ورفعها من قلبه ولسانه,...فعلامةُ السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره, وسيئاتهُ نصبَ عينيه, وعلامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه, وسيئاته خلف ظهره.
  212. [زاد المعاد إلى هدى خير العباد]
  213. التوحيد يفتح للعبد باب السعادة:
  214. التوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج, والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سببُ أسقامه, وحمية له من التخليط, فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد, ويُغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار.
  215. السعادة مع أهل الصدق والتصديق:
  216. قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء, وأشقياء, فجعل السعداء هم الصدق والتصديق, والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب, وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس, فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق, والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.

  217. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  218. --------=========================
  219. من درر العلامة ابن القيم عن الدنيا


  220. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  221. بسم الله الرحمن الرحيم
  222. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالدنيا من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.
  223. [مدارج السالكين في منازل السائرين]
  224. السائر إلى الله والدار الآخرة يرى حقارة الدنيا وقلة وفائها:
  225. أول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة: أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها, وقلة وفائها, وكثرة جفائها, وخسة شركائها, وسرعة انقضائها, ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها, قد بدعت بهم, وعذَّبتهم بأنواع العذاب, وأذاقتهم أمرَّ الشراب, أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً, سقتهم كؤوس سُمِّها بعد كؤوس خمرها, فسَكِروا بحبها, وماتوا بهجرها.
  226. [مفتاح دار السعادة]
  227. الدنيا سجن المؤمن:
  228. لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه, والدنيا سجنُه حقاً, فلهذا تجدُ المؤمن بدنُه في الدنيا وروحه في المحلِّ الأعلى.
  229. [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح]
  230. حبُّ الدنيا مفتاح كل شر:
  231. مفتاح كل شرٍّ: حُب الدنيا, وطول الأمل.

  232. [مفتاح دار السعادة]
  233. حب الدنيا وإيثارها على الآخرة:
  234. النفس مُولعة بحبِّ العاجلة وإيثارها على الآخرة, وهذا من لوازم كونه خُلِقَ من عَجَل وخُلِقَ عجولاً.
  235. [الفوائد]
  236. حال من أصبح وأمسى وهمُّه الدنيا:
  237. العبد...إن أصبح وأمسى والدنيا همُّهُ حمَّلهُ اللهُ همومها وغُمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم
  238. من رغب في موائد الدنيا فاتته موائد الآخرة:
  239. إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا, قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة, وإذا رضيت بموائد الدنيا, فاتتها تلك الموائد.
  240. متفرقات:
  241. & الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غمّ ساعة, فكيف بغمِّ العُمر ؟
  242. & كل خارج من الدنيا : إما تخلص من الحبس, وإما ذاهب إلى الحبس.
  243. & من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا.
  244. & لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا.
  245. & من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده, فصيَّرته من خَدَمها وعبيدها وأذلَّته, ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره, فخدمته وذلَّت له.
  246. & لا تدخل محبة الله في قلب فيه حبُّ الدنيا إلا كما يدخل الجملُ في سمِّ الإبرة.
  247. & دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها.
  248. & الطالب الصادق في طلبه كلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته
  249. [عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين]
  250. أمثلة تبين حقيقة الدنيا:
  251. مثلت الدنيا بمنام, والعيش فيها بالحلم, والموت باليقظة.
  252. ومثلت بمزرعة, والعمل فيها البذر, والحصاد يوم المعاد.
  253. ومُثلت: بحية ناعمة الملمس, حسنة اللون, وضربتها الموت.
  254. ومُثلت: بطعام مسموم, لذيذ الطعم, طيب الرائحة, من تناول منه قدر حاجته كان فيه شفاؤه, ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه.
  255. ومثلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس وهي تدعو الناس إلى منزلها فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها, وألقتهم في الحفر, وقد سلطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديماً وحديثاً, والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلت بهم الآفات, وهم يتنازعون في مصارعهم, ﴿ وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [إبراهيم:45]
  256. ويكفى في تمثيلها ما مثلها الله في كتابه فهو المثل المطبق عليها.

  257. حب الدنيا رأس الخطايا
  258. قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا, ومفسداً للدين من وجوه:
  259. أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها, وهي حقيرة عند الله, ومن أظهر الذنوب تعظيم ما حقّر الله.
  260. ثانيها: أن الله تعالى لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها, ومن أحبّ ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه.
  261. ثالثها: أنه إذا أحبها صيرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانتكس قلبه, وانعكس سيره إلى وراء
  262. رابعها: أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود إليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه.
  263. والناس ها هنا مراتب: فمنهم: من يشغله محبوبه عن الإيمان وشرائعه.
  264. ومنهم من يشغله عن الواجبات التي تجب عليه لله ولخلقه, فلا يقوم بها ظاهراً ولا باطناً. ومنهم: من يشغله حبها عن كثير من الواجبات.
  265. ومنهم: من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي
  266. ومنهم: من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتفريغه لله عند أدائه, فيؤديه ظاهراً لا باطناً.
  267. وأقل درجات حبها أن يشغل عن أعظم سعادة العبدة, وهو تفريغ قلبه لحب الله, ولسانه لذكره, وجمع قلبه على لسانه, ولسانه وقلبه على ربه.
  268. خامسها: أن محبتها تجعلها أكبر همّ العبد.
  269. سادسها: أن محبها أشد الناس عذاباً, وهو معذب في دوره الثلاث, يعذب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها, وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبداً, ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه, فهو أشدّ الناس عذاباً في قبره, يعمل الهمّ والعمّ والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه.
  270. سابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلاً, إذ آثر الخيال على الحقيقة, والمنام على اليقظة, وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي:
  271. أحلام نوم أو كظل زائلٍ إن اللببَ بمثلها لا يُخدع
  272. قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو علي الطائي حدثنا عبدالرحمن المحاربي عن ليث قال: رأى عيسى ابن مريم الدنيا, في صورة عجوز عليها من كل زينة, فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم, قال: فكلّهم مات عنك أو كلهم طلقك ؟ قال: بل كلّهم قتلته. فقال عيسى: " بوساً لأزواجك الباقين, كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين, كيف تهلكينهم واحداً واحداً, ولا يكونوا منك على حذر.
  273. [كتاب: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح]
  274. الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة:
  275. ومفتاح الرغبة في الآخرة: الزهد في الدنيا
  276. [بدائع الفوائد]
  277. الدنيا لا ترضى إلا بقتل عشاقها:
  278. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزاً, وما ترضى إلا بقتل عشاقها, وكم تدللت عليهم بالنشوز.
  279. الدنيا سجن المؤمن:
  280. (( الدنيا سجن المؤمن )) فيه تفسيران صحيحان:أحدهما: أن المؤمن قيَّده إيمانه عن المحظورات, والكافر مطلقُ التصرف.الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب, فالمؤمن لو كان أنعم الناس, فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسجن, والكافرُ عكسُه, فإنه لو كان أشدَّ الناس بوساً فذلك بالنسبة إلى النار جنته.

  281. [زاد المعاد في هدي خير العباد]
  282. سرور الدنيا أحلام نوم:
  283. سرور الدنيا أحلامُ نوم أو كظل زائل, إن أضحكت قليلاً, أبكت كثيراً, وإن سرت يوماً ساءت دهراً, وإن متعت قليلاً منعت كثيراً, وما ملأت داراً خيرةً إلا ملأتها عبرة, ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور.
  284. مرارة الدنيا حلاوة الآخرة:
  285. مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة, قلبها الله سبحانه كذلك, وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة, ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك, فإن خفي عليك هذا, فانظر إلى قول الصادق المصدوق: (( حُفَّتِ الجنَّةُ بالمكاره وحُفَّتِ النارُ بالشهوات ))

  286. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  287. ======================
  288. من درر العلامة ابن القيم عن فضائل الصحابة رضي الله عنهم


  289. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  290. بسم الله الرحمن الرحيم
  291. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: ففضائل الصحابة رضي الله عنهم, من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.
  292. [الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة]
  293. ● الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة على الأطلاق:
  294. كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق، وبينهم وبين مَن بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين، ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يُصار إليه مما فهمه من بعدهم، فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم، فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الآخر، ولا يُحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ. فكانت نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلَّ في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنًا من كان، ولا يثبت قدم الإيمان إلا على ذلك.
  295. [طريق الهجرتين وباب السعادتين]
  296. ● أغنياء الصحابة بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم:
  297. أغنياءُ الصحابة...بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم, فلا يرون لها ملكاً حقيقياً, بل يرون ما في أيديهم لله عاريةً ووديعةً في أيديهم, ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبيد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم.

  298. [الكلام على مسألة السماع]
  299. ● أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة استماع القرآن:
  300. كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم, إذا اجتمعوا واشتاقوا إلى حادٍ يحدُو بهم ليطيب لهم السيرُ, ومُحركٍ يحرك قلوبهم إلى محبوبهم, أمروا واحداً منهم يقرأ والباقون يستمعون, فتطمئن قلوبهم, وتفيض عيونهم, يجدون من حلاوة الإيمان أضعاف ما يجده السماعاتيه من حلاوة السماع, وكان عمر بن الخطاب إذا جلس عنده أبو موسى يقول: يا أبا موسى ذكِّرنا ربنا, فيأخذ أبو موسى في القراءة, وتعمل تلك الأقوال في قلوب القوم عملها, وكان عثمان بن عفان يقول: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. و إي والله! كيف تشبع من كلام محبوبهم وفيه نهاية مطلوبهم؟ وكيف تشبع من القرآن وإنما فتحت به لا بالغناء والألحان ؟
  301. [أعلام الموقعين عن رب العالمين]
  302. ● صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عِصابة الإيمان وعسكر القرآن:
  303. عِصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم، أبرُّ الأمة قلوبًا, وأعمقها علمًا, وأقلها تكلفًا, وأحسنها بيانًا, وأصدقها إيمانًا, وأعمُّها نصيحةً وأقربها إلى الله وسيلةً حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد فلا مطمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتَّبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال. فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطةِ رشدٍ لم يستولوا عليها؟ تالله لقد، وطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا.
  304. [الداء والدواء]
  305. ● الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين العمل والخوف
  306. من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف, ونحن جمعنا بين التقصير – بل التفريط- والأمن.
  307. فهذا الصديق كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد.
  308. وكان يبكي كثيراَ, ويقول: ابكوا, فإن لم تبكوا فتباكوا.
  309. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور حتى بلغ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ﴾ [الطور:7] فبكى واشتد بكاؤه, حتى مرض وعادوه.
  310. وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء.
  311. وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل لحيته.
  312. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه...ان يشتد خوفه من اثنتين طول الأمل واتباع الهوى, قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة, وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.
  313. وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء قد علمت, فكيف عملت فيما علمت ؟
  314. وكان عبدالله بن عباس أسفل عينيه مثل الشرك البالي من الدموع.
  315. وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد, ووددت أي لم أخلق.
  316. وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية, فلما أتى على هذه الآية: ﴿ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ [ الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكى حتى أصبح.
  317. وهذا باب يطول تتبعه.

  318. [زاد المعاد إلى هدى خير العباد]
  319. ● عادة الصحابة سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة:
  320. وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشِّر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة, وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة, والنقم المندفعة, وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسلمة الكذاب, وسجد علي بن أبي طالب لما وجد ذا الثُّديَّة مقتولاً في الخوارج, وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بشره جبريلُ أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً, وسجد حين شفع لأمته, فشفعه الله فيهم ثلاث مرات, وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة, فقام فخرَّ ساجداً, وقال أبو بكرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يسُرُّه خرَّ لله ساجداً, وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها.
  321. [الفروسية المحمدية]
  322. ● شجاعة الصديق رضي الله عنه:
  323. كثير من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقوة، وهما متغايران، فإن الشجاعة هي: ثبات القلب عند النوازل، وإن كان ضعيف البطش.
  324. وكان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر وغيره أقوى منه، ولو لم يكن له إلا ثبات قلبه يوم الغار وليلته، وثبات قلبه يوم بدر، وثبات قلبه يوم أحد، وثبات قلبه يوم الخندق، وثبت قلبه يوم الحديبية، وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب، حتى إن الصديق ليثبته ويُسكنه ويُطمئنه.
  325. وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع، وأنكرت الصحابة بها قلوبهم، كيف وقد فقدوا رسولهم من بين أظهرهم وحبيبهم.

  326. [مدارج السالكين في منازل السائرين]
  327. ● جود أبي ضمضم رضي الله عنه بعرضه:
  328. الجود بالعرض, كجود أبي ضمضم من الصحابة, رضي الله عنه, كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي فأتصدق به الناس, وقد تصدقت عليهم بعرضي, فمن شتمني أو قذفني فهم في حلٍّ, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم )) وفي هذا الجود من سلامة الصدر, وراحة القلب, والتخلص من معاداة الخلق.
  329. ● فراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة:
  330. كان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسةً, وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ووقائع فراسته مشهورة, فإنه ما قال لشيءٍ " أظنه كذا " إلا كان كما قال.
  331. وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه كان صادق الفراسة.
  332. وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة.

  333. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  334. =====================

  335. من درر العلامة ابن القيم عن العين والحسد


  336. فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


  337. بسم الله الرحمن الرحيم
  338. الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فالعين والحسد من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.
  339. [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى]
  340. ● الحسد من أسباب عدم قبول الحق:
  341. الأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدًّا....ومن أعظم هذه الأسباب الحسد فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فُضل عليه وأُوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسدُ أن ينقاد له ويكون من أتباعه
  342. [التبيان في أيمان القرآن]
  343. ● صرف قوة الحسد:
  344. ما ابتلي بصفة من الصفات إلا وجعل له مصرفًا ومحلًّا ينفذها فيه...فجعل لقوة الحسد: فيه مصرف المنافسة في فعل الخير، والغبطة عليه، والمسابقة إليه.
  345. [الفوائد]
  346. ● حدّ الحسد:
  347. للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدوانا, ومتى قصرت عنه كان نقصاً ومهانةً. ...فللحسد حد, وهو المنافسة في طلب الكمال والأنفةُ أن يتقدم عليه نظيره, فمتى تعدى ذلك صار بغياً وظلماً يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود ويحرص على إيذائه, ومتى نقص عن ذلك كان دناءةً وضعفَ همةٍ وصغرَ نفس.
  348. [زاد المعاد إلى هدي خير العباد]
  349. ● الإصابة بالعين:
  350. روح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيناً, ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره, وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية, وهو أصل الإصابة بالعين.
  351. ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية, بل قد يكون أعمى, فيُوصف له الشيء, فتؤثر نفسه فيه, وإن لم يره, وكثير من العائنين يُؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية, وقد قال تعالى لنبيه: ﴿ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ [القلم:51] وقال﴿: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ فكل عائن حاسد, وليس كُلُّ حاسد عائن, فلما كان الحاسد أعمَّ من العائن, كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن, وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تُصيبه تارة وتخطئة تارة, فإن صادفته مكشوفاً ولا وقاية عليه أثرت فيه, ولا بُد, وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه, وربما رُدَّت السهام على صاحبها.
  352. وقد يعين الرجل نفسه, وقد يعين بغير إرادته, بل بطبعه, وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني.
  353. وإذا كان العائن يخشى ضرراً عينه وإصابتها للمعين, فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل ابن حنيف: (( ألا بركت)) أي قلت: اللهم بارك عليه.
  354. ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
  355. [الروح]
  356. ● الفرق بين المنافسة والحسد:
  357. الفرق بين المنافسة والحسد: أن المنافسة المبادرةُ إلى الكمال الذي تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه, فهي من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر, قال تعالى ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين:26] وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلباً ورغبةً فتنافس فيه كل من النفسين الأخرى, وربما فرحت إذا شاركتها فيه, كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافسون في الخير ويفرحُ بعضهم ببعض باشتراكهم فيه بل يحضُّ بعضهم بعضاً عليه مع تنافسهم فيه وهي نوع من المسابقة وقد قال تعالى ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾ [البقرة:148]
  358. الحسدُ خلُقُ نفس ذميمةٍ وضيعةٍ ساقطةٍ ليس فيها حرص على الخير, فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها, وتتمنى أن لو فاته كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ ﴾ [النساء:89] وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة:109] فالحسود عدو النعمة متمن زوالها عن المحسود,كما زالت عنه هو والمنافسُ سابقُ النعمة متمنِّ تمامها عليه وعلى من ينافسه.وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمود, كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن, فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار, ورجل آتاه الله مالاً, فسلطه على هلكته في الحق )) فهذا حسد منافسه وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها للتشبه بأهل الفضل.

  359. [بدائع الفوائد]
  360. ● أصل الحسد:
  361. أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها, فالحاسد عدوُّ النعم, وهذا الشرُّ هو من نفس الحاسد وطبعها, ليس هو شيئاً اكتسبه من غيرها, بل هو من خُبثها وشرها, بخلاف السحر, فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى, واستعانة بالأرواح الشيطانية, فلهذا – والله أعلم – قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر, لأن الاستعاذة من شرِّ هذين تعمُّ كل شرٍّ يأتي من شياطين الإنس والجن, فالحسد من شياطين الإنس والجن, والسحرُ من النوعين.....فهذه السورة من أكبر أدوية المحسود فإنها تتضمن التوكُّل على الله والالتجاء إليه والاستعاذة به من شر حاسد النعمة, فهو مستعيذ بولي النعم وموليها من شر لصِّها وعدوها.
  362. ● الفرق بين الحاسد والعائن:
  363. العائن والحاسد يشتركان في شيء, ويفترقان في شيء, فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذاه, فالعائن تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته, والحاسد يحصلُ له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضاً.
  364. ويفترقان في أن العائن قد يُصيبُ من لا يحسده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال, وإن كان لا يكادُ ينفكُ من حسد صاحبه. وربما أصابت عينه نفسه, فإن رؤيته للشيء رؤية تعجُّب وتحديق, مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين.

  365. ● لا يخلو أحد من حسد لكن المؤمن يخفيه ولا يؤذي غيره:
  366. تأمل تقيده سبحانه شر الحاسد بقوله: ﴿ إِذَا حَسَدَ ﴾ لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه ولا يترتب عليه أذى بوجهٍ ما, لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده, بل يجد في قلبه شيئاً من ذلك, ولا يعامل أخاه إلا بما يُحبُّ الله, فهذا لا يكاد يخلو منه أحد, إلا من عصمه الله.وهو يجاهد نفسه على دفع ذلك ويُلزمها بالدعاء للمحسود
  367. ● المعوذتين لهما تأثر خاص في دفع العين:
  368. المعوذتين...لا يستغني عنهما أحد قط,..ولهما تأثير خاص في دفع....العين وسائر الشرور, وحاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس.
  369. ● أسباب يندفعُ بها شر الحاسد عن المحسود:
  370. أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره, والتحصن به, واللجأ إليه.
  371. السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه, فمن اتقى الله تولى الله حفظه.
  372. السبب الثالث: الصبر على عدوه, وأن لا يقابله ولا يشكوه, ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً, فما نُصِرَ على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه.
  373. السبب الرابع: التوكل على الله, فـ ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفعُ بها العبد ما لا يُطيقُ من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم...فإن الله...كافيه, ومن كان الله كافيه وواقيه, فلا مطمع فيه لعدو.
  374. السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به, والفكر فيه....فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر, والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به....وهذا باب عظيم النفع, لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية.

  375. السبب السادس:الإقبال على الله والإخلاص له.فما سعادة من دخل في هذا الحصن
  376. السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطن عليه أعداءه,...فما سُلَّط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه, وما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها, وما ينساه مما عمله وعلمه أضعاف ما يذكره...فليس للعبد إذا بُغي عليه وأُوذي, وتسلَّط عيه خصومه شيء أنفعُ له من التوبة النصوح, وعلامة سعادته أن يعكس فِكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه, فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها...والله يتولى نُصرتهُ وحفظه والدفع عنه ولا بُدّ, فما أسعده من عبدٍ, وما أبركها من نازلة نزلت به, وما أحسن أثرها عليه, ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع, فما كلُّ أحد يُوفقُ لهذا.
  377. السبب الثامن: وهو من أصعب الأشياء على النفس وأشقهِّا عليها ولا يوفَّق له إلا من عظُم حظُّه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذىً وشراً وبغياً وحسداً ازدادت إليه إحساناً وله نصيحة وعليه شفقه وما أظنُّك تصدّق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه, فاسمع الآن قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ* وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[فصلت/34-36] وقال ﴿ أُولَـئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص/54] وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي..ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلُتُ الدم عنه ويقول (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ))كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه:

  378. أحدها: عفوه عنهم.
  379. الثاني: استغفاره لهم.
  380. الثالث: اعتذاره عنهم بأهم لا يعلمون.
  381. الرابع: استعاطفه لهم بإضافتهم إليه, فقال : ( اغفر لقومي ))
  382. واسمع الآن ما الذي يُسهِّل هذا على النفس, ويُطييبهُ لها وينعمها به : اعلم أن لك ذنوباً بينك وبين الله تخافُ عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك, ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تُؤمله, فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابلك به إساءتك, فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقهُ وتقابل به إساءتهم, ليعاملك الله هذه المعاملة, فإن الجزاء من جنس العمل.
  383. السبب التاسع : الصدقة والإحسان ما أمكنه, فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء, ودفع العين, وشرِّ الحاسد, ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأُمم قديماً وحديثاً لكفي به, فما يكادُ العينُ والحسد والأذى يتسلَّط على محسن متصدقٍ, وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللُّطف والمعونة والتأييد, وكانت له فيه العاقبة الحميدة, فالمحسنُ المُتصدِّقُ في خفارة إحسانه وصدقته, عليه من الله جُنَّة واقية وحصن حصين, وبالجملة فالشكرُ حارس النعمة من كل ما يكون سبباً لزوالها....فالمحسن المُتصدِّق يستخدمُ جنداً وعسكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه, فمن لم يكن له جند ولا عسكر وله عدو فإنه يوشكُ أن يظفر به عدُوُّهُ, وإن تأخرت مُدَّة الظَّفر, والله المُستعان.

  384. السبب العاشر: تجريد التوحيد والتَّرحُّل بالفكر في الأسباب إلى المسببُ العزيز الحكيم والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح, وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها لا تضرُّ ولا تنفعُ إلا بإذنه فهو الذي يمسُّ عبده بها قال تعالى: ﴿ وَإِن يَمسَسكَ اللَّـهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ فَلا رادَّ لِفَضلِهِ ﴾ [يونس/107] وقال النبي علية الصلاة والسلام لابن عباس رضي الله عنهما: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيءٍ كتبه الله عليك )) فإذا جرد العبدُ التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه, وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى...والله يتولى حفظه والدفع عنه, فإن الله يدفع عن الذين آمنوا...وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع وإن مزج مُزج له.
  385. [مفتاح دار السعادة]
  386. ● لكل ناعمة حاسد:
  387. لا بد لكل نعمةٍ من حاسد.

  388. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

{من ج1 الي اخر ج6.} كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 .| جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين      كتاب : عيون الأخبار المؤلف : ابن قتيبة الدينوري كتاب السلطان محل ال...